ماهي أسباب نهضة الإمام الحسين (ع)؟

جميل عودة إبراهيم..
تتردد أسئلة كثيرة على ألسنة الناس بشأن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بين من يريد أن يتعرف إلى أسباب هذه النهضة؛ ليلتزم طريق أهل البيت (عليهم السلام) وبين من يشكك فيها سببا ونتيجة؛ ليفند الأفكار والعقائد والمراسم التي يؤمن بها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) فيبعدهم عن طريق الحق الذي يتخذونه.
ولعل الاطلاع على أحداث التأريخ ومجرياته قبيل نهضة الحسين (عليه السلام) يمكن أن يعطينا رؤية شاملة عن مجمل أسباب قيام هذه النهضة، بغض النظر عن أسبابها المباشرة. وقد تكون معرفة هذه الأحداث مفيدة لمن يبحث عن الحقيقة المجردة التي توصله إلى نتائج يركن إليها.
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هناك توجهان لإدارة الأمة وقيادتها، توجه يقوده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه يحث أفراد المجتمع على اتباع طريق أهل البيت عليهم السلام من بعده، وأولهم وعلى رأسهم الإمام علي (عليه السلام) وأخر توجيهات رسول الله للأمة كان حديث الغدير الذي نصب فيه الله ورسوله عليا (عليه السلام) وليا على الناس.
فعن حذيفة بن اليمان قال: (كنت والله جالسا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نزل بنا غدير خم، وقد غص المجلس بالمهاجرين والأنصار، فقام رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) على قدميه فقال: (يا أيها الناس إن الله أمرني بأمر فقال: (يا أيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ثم نادى علي بن أبي طالب فأقامه عن يمينه ثم قال: (يا أيها الناس ألم تعلموا أني أولى منكم بأنفسكم)، قالوا: اللهم بلى، قال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله) وهذا التوجه هو التوجه البارز في حياة الرسول، ولم يكن الناس يعترضون عليه إلا خفية.
والتوجه الثاني هو التوجه الذي يقوده عدد من (الصحابة) الذي يرون أن إدارة الأمة وقيادتها لابد أن تخرج عن أهل البيت (عليهم السلام) وأن تكون لغيرهم إما للمهاجرين وإما للأنصار، وقد ظهرت قوة هذا الاتجاه قبيل وفاة الرسول فيما يُعرف بـ(رزية الخميس). هذا الشرخ بين هذين التوجهين، طريق أهل البيت، وطريق الصحابة أخذ يتسع شيئا فشيئا، وكانت السقيفة هي مفترق الطريق، ومن تلك اللحظة افترقت القيادة الدينية عن القيادة السياسية للأمة.
لقد سعى معاوية إلى تهيئة الأجواء للقيام بمحاربة أهل البيت (عليهم السلام) وكان ذلك من أسباب جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، فلقد استفاد معاوية من فرصة توليه على الشام منذ أن نصبه عمر، وهكذا في زمن عثمان، وفي فترة تمرده على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في بسط ملكه على الناس، فكان يظهر للناس بأنه هو الكل في الكل في الدولة الإسلامية، ولا يحق لأحد أن يعترض على أعماله، فكان مستبداً جائراً يواجه من يخالفه بأشد العقوبة.
وبعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، استمر معاوية عشرين سنة أخرى في سيطرته على كرسي الخلافة الإسلامية، حيث تمكن من تغيير أفكار الناس وجرها إلى ما يريد وأن يجري عليهم عملية (غسيل المخ) بحسب اصطلاح اليوم. وأنه تمكن بواسطة أنواع الحيل والخداع والمكر أن يجر الأمة الإسلامية إلى طريق الانحراف والضلال ويبعدهم عن تعاليم الكتاب والعترة وأخيراً تهيأ الجو المساعد لإجراء أهداف ونوايا معاوية.
وبذلك فقد هيأ معاوية الجو المساعد للحكم الجائر والاستبدادي لبني أمية، حيث قام بتنصيب ابنه الفاسق (يزيد) بعنوان الخليفة من بعده أولاً ثم أخذ البيعة له من الجميع بالإكراه ثانياً، فقد ورد في النصوص التأريخية: وأخذت البيعة ليزيد من الناس على أنهم عبيد له، ومن أبى ذلك فجزاؤه السيف.
وقد كان يزيد شاباً نزقاً لم تصقله التجارب بعد، ولم يتربّ بتربية إسلامية، ولم يتخلق بالأخلاق والآداب الشرعية، فلم يكن لائقاً للخلافة الإسلامية أصلاً، بالإضافة إلى أنه كان عند معظم المسلمين والرأي العام الإسلامي ذا موقع سيئ وسمعة سيئة.
وفي المقابل كان الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) هو الإمام من بعد أخيه الحسن (عليه السلام) حسب النص الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) والإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليه السلام)، وكان يتمتع بسابقة مضيئة وهو من عائلة طاهرة ومن بيت علم وتقوى وإجلال عند جميع المسلمين وكبار أصحاب النبي (صلى الله عليه واله وسلم) والتابعين، فكان يتمتع بمكانة مرموقة وموقع مهم وقابل للاحترام والتقدير، فإنه (عليه السلام) من أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة.
لقد أدرك سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وحجة الله على خلقه خطر اعتلاء رجل فاسق كيزيد على منبر الخلافة الإسلامية والذي كان يسعى طبقاً لما رسم له للقضاء على ما تبقى من الإسلام وآثار الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، كما كان لتغلغل طغاة بني أمية في أوساط المجتمع وبسرعة واتخاذهم مال الله دُولاً وعباده خولاً، عوامل إضافية عجّلت في قيام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بوجههم من أجل الحفاظ على الإسلام والمسلمين وإن استلزم الأمر التضحية بنفسه (عليه السلام).



