اخر الأخبار

مستقبل أهل السنة في ظل التمرد العقائدي

لالل

هناك حالات من التمرد العقائدي وقعت في دائرة أهل السنة على مستوى الماضي والحاضر,فعلى مستوى الماضي تبرز أمامنا حالة تمرد الخلف على السلف، والتي تمثّلت فی حركة الأشعري ومن بعده تلامیذه مثل الغزالي والجویني والأخنائي,وحركة تمرّد الماتریدي وتلامیذه من بعده,وحركة تمرّد ابن تیمیة في القرن الثامن,وعلى مستوى الحاضر برزت حركة التمرد التي قادها التكفیر,وحركة التمرد التی قام بها بعض الرموز مثل الشیخ الغزالی والدكتور عبدالصبور شاهین والدكتور یوسف القرضاوي، وهذه الحركات المتمردة وجدت في ظل واقع ومتغیرات تطلبت أن یحدث نوعاً من التغییر في الأطر العقائدیة والفكریة التي تقوم على عقل الماضي فجاء تمرّدها ضمن الإطار العام لأهل السنة.
لقد كان من الممكن لأطر أهل السنة أن تحتمل حركات التمرد في الماضي، وذلك لكون الفجوة لم تكن واسعة بینها وبین الواقع آنذاك، لكن التحدي یكمن في صمود هذه الأطر أمام متغیرات الواقع الحالي، وهو أمر فیه شك ونحن نرصد حركات من التمرد الشامل تمثّلت في انتقال الكثیر من رموز أهل السنة وعناصرها إلى الشیعة,وهذا مع الإشارة إلى حركات التمرّد الداخلیة ضمن الفرق والتی تهدّد كیانها بالتمزق والتشرذم، وهو ما نراه واقعاً داخل فرقة الإخوان والفرق الوهابیة والصوفیة والجهادیة وحتى فرقة الأزاهرة, وإن فرق أهل السنة أصیبت بهزّة كبیرة في العصر الحالي زلزلت كیاناتها، وهذه الهزة كانت بسبب مجموعة من الحوادث والمتغیرات شكلت ضغطاً كبیراً علیها وتركزت فیما یلي:بروز الجماعات,وقیام الثورة الإسلامیة في إیران,وأزمة الخلیج,والمستنقع الأفغاني,والمواجهة الدولیة,وهذه التحدیات الخمسة التي تحاصر فرق أهل السنة في هذا الزمان إنما تمثّل تحدیاً مصیریاً لها,وكان بروز الجماعات بعقائدها وأفكارها المختلفة یمثّل إحراجاً كبیراً لها، وكان عجزها عن احتوائها جعلها في وضع أكثر حرجاً.
وكان قیام الثورة الإسلامیة في ایران قد عرى هذه الفرق وحجب عنها الأبصار ودفع بها إلى التحالف مع نظام البعث الصدامي في العراق في حربه التي شنّها بدعم من القوى الأجنبیة لإجهاض الثورة في بدایتها,وجاءت أزمة الخلیج وغزو الكویت لتلقّن أهل السنة بفرقهم المختلفة درساً قاسیاً تسبب في إحداث البلبلة الفكریة داخل صفوفهم، وكان المأزق الذي وضعتهم فیه هذه الأزمة هو أسوأ وأشد تعقیداً من مأزقهم السابق فی مواجهة ایران، وقد نتج عنه أن وقعوا في تناقض عقائدي أمام أتباعهم وخصومهم على السواء.
أما المستنقع الأفغاني فقد أوقعهم فیه عقل الماضي والتعصب المذهبي والحكام، فكان بمثابة مصیدة وفخ نصب لهم بإحكام,وكان المتوقع أن تكون نتیجته نصرة أهل السنة وقیام دولة سنیة قویة بجوار المارد الشیعي الذي نهض في ایران,الحكومات كانت لها حساباتها,وفرق السنة كانت لها حساباتها,وكانت النتائج نكبة على الطرفین.
إلاّ أن الطرف الأقوى وهو الحكومات قام بتحریك الدفة إلى الاتجاه الذی یخدم مصالحه، فكانت النتیجة هي التضحیة بفرق أهل السنة,وهكذا خذلت الحكومات أهل السنة الذین باركوها ونصروها.
وأصبح أهل السنة بین أمرین إما أن یكفروا بهذه الحكومات وبالتالي ینقضوا معتقداتهم بوجوب طاعتهم,وإما أن یستسلموا لهم ویستمروا في مباركتهم، وهذا من شأنه أن یعرّض مستقبلهم للخطر وكلا الخیارین أمرّ من الآخر بالنسبة لهم.
وفیما یتعلق بالمواجهة الدولیة فهي ناتجة عن وقوع فرق أهل السنة في المستنقع الأفغاني، فقد حازت هذه الفرق على نقمة حكومات العالم التي كانت ترتع في ظلها هذه الفرق خاصة في دول أوروبا، والتي أصبحت تنظر لها الیوم بعین الشك، وتسعى إلى استئصالها والاستراحة من شرها, ومن هنا أصبحت الحكومات التي كانت فرق أهل السنة تستظل بظلها وتحتمي بها مصدر تهدید لوجودها ومستقبلها، وهذا یعني أنها نقضت التحالف القائم معها,ولقد كان أهل السنة في الماضي یستمدون قوتهم من الحكام وفقدهم هذا السند في الحاضر یعني فقدهم القدرة على الاستمرار والبقاء.
ولیس هناك من سبیل لدرء هذا الخطر سوى الاتجاه نحو التصحیح في مواجهة تمرّد الفرق الجدیدة وفي مواجهة تغیر موقف الحكومات منها: تصحیح العقائد,وتصحیح الروایات,وتصحیح المفاهیم,وتصحیح المواقف.
ولما كان أهل السنة على وجه العموم الیوم یرفضون التصحیح، فهم سوف یصطدمون حتماً بحالات التمرد الواقعة في دائرتهم، بل قد اصطدموا بها فعلا وتخطتهم الفرق الجدیدة التي برزت على ساحة الواقع منذ أكثر من نصف قرن وهي مستمرة حتى الیوم في تخطّي الفرق القدیمة العاجزة عن مواكبة الواقع والمتغیرات,ولما كانت فرقة الجهاد تواجه ضغوطاً شدیدة من قبل أهل السنة ومن قبل الحكومات الیوم، فإنا نستطیع التنبؤ أن هذا الضغط سوف ینتج عنه فرق جهادیة أكثر تطرفاً في مواجهة الواقع والحكومات وأهل السنة أیضاً,وطالما استمر الواقع في تخطی القیم والابتعاد عن الدین فسوف تستمر حالة التفریخ للفرق المتطرفة في دائرة أهل السنة وعلى رأسها فرق التكفیر.
واعتقد أن فرق الجهاد والتكفیر هي الفرق التي سوف تكون لها السیادة والانتشار فی واقع أهل السنة مستقبلا، بینما لن یكون هناك وجود للفرق التقلیدیة كفرق السلفیین والوهابیین والفرق ذات التوجه السیاسي كفرقة الإخوان وفرقة حزب التحریر,وإن هناك انهیاراً قادماً لعدد من الحكومات التقلیدیة التي تستثمر الورقة الإسلامیة من خلال أهل السنة، وانهیارها هذا سوف تكون نتائجه بالغة الخطورة على فرق أهل السنة التي تعمل تحت مظلة هذه الحكومات والتي أخذ بعضها یضغط على حكوماته لتلافي هذا الانهیار الذي یهددهما, وإن التاریخ قد طوى لنا صفحات الكثیر من فرق أهل السنة بحیث لم یبق من هذه الفرق سوى نصوص تحویها صفحات الكتب تدرس في المدارس الدینیة وتعمل بها بعض المؤسسات الدینیة الحكومیة, وبرزت محلها فرقاً أخرى جدیدة مثل فرق التكفیر والجهاد والإخوان والجماعة الإسلامیة والسلفیین واستحوذت على الجیل الجدید من شباب أهل السنة,والفرق الجدیدة الكثیر منها في الطریق إلى الزوال لتصبح في ذمة التاریخ وتلحق بسابقتها من الفرق القدیمة, ولا یعود سبب الانهیارات الدائمة في دائرة أهل السنة وغیاب فرق وظهور فرق إلى الخلل في الطرح السني وضعف عقائدهم وأفكارهم في مواجهة الواقع فقط بل یعود الى ارتباطهم الدائم بالحكومات التي كان زوالها سبباً في زوال الفرق التي ارتبطت بها.
الیوم أسهمت الحكومات في قیام الكثیر من الفرق مثل الجماعة الإسلامیة والسلفیین والإخوان في مصر وطالبان في أفغانستان وجند الصحابة في باكستان والفرق الوهابیة في جزیرة العرب، ثم انقلبت علیها فیما بعد وقررت القضاء علیها لمّا تبیّن أنها تشكل خطراً على أمنها ونفوذها,ولا شك أن القضاء على فرقة طالبان وفرقة الجهاد في أفغانستان سوف تكون له ردود أفعال تسهم في خلق فرق أكثر تطرّفاً في أوساط أهل السنة,والفرق القادمة في محیط أهل السنة لن تنحصر في حدود العالم الإسلامي وإنما سوف تمتد إلى أوربا حیث تبعث على هیئة متطورة على ید المسلمین الأوربیین تنذر بخطر داهم یهدد أوروبا من قبل العالم الإسلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى