اخر الأخبارثقافية

إبراهيم أبو الرب يعيش الفن باعتباره قضية وطن وشعب وإنسان

تدفع أعمال التشكيلي الفلسطيني إبراهيم أبو الرب من يشاهدها للمرة الأولى للغوص داخلها وعدم الاكتفاء بمجرد المشاهدة، بل التمعن والاندماج مع تلك الملحمة الفنية والفكرية والحسية وذلك الزخم الهائل من التراكم العاطفي والانفعالي مع الفكرة، تشعرك وكأنك في مهب عاصفة تنطلق من حدث أو واقع أو ذكرى، فالتساؤلات التي تنتاب المتلقي مجازا في اللون والحركة السريعة تعيد البحث بين الثنايا عن التفاصيل الانفعالية بين الفن واللغة حيث تلتقي لترمم الأجساد الصاعدة بين الضوء والظل، وكأنه يضمد جراح العقل في التماهي مع نقطة الصمت الأولى، فيتحسس تلك الإرادة المتحدية وذلك الإصرار القوي والتعبير الذي يتملّك مشاعره وذهنه منذ الألم الأول، الرحيل عن الوطن، الذي خلق تلك البحثية الوجدانية التي حوّلت لديه اللوحة الجدارية إلى أغنية يتزاوج فيها الوجع بالعناد حتى يصبح فكرة محلقة بسرعة.

يعيش أبوالرب فنه باعتباره قضية وطن وشعب وإنسان، فيستلهم من وحي كل هذا جرأته الفنية، ويبني ملاحم تستهويه ليغامر داخل المساحات ويبني رؤاه ويتوغل في فضاءاتها الشاسعة، يقتحمه التشكيل جداريات ملحمية سريالية التعبير رمزية المعاني الإنسانية.

فكرة الانتماء تتواتر بتعبيرات متنوعة عند” أبوالرب” فلا تنفصل عن فكرة الفن لأنها صقلت مسيرته وشكلت لديه هاجسا في فنه ليعبّر عن العودة واللجوء والحرية والاستشهاد، فهي تتجاوزه كفرد لتعبر عن الإنسانية، لأن تفريغ شعب من أرضه وإحلال شعب آخر مكانه يعتبره أبوالرب أوجع وأهم حدث عرفه تاريخ البشرية، وأبشع إبادة حضارية وصراع إنساني لا ينتهي، وهذا إحساس يتجاوز عنده الجغرافيا والتاريخ لذلك عبّر عنه بسريالية اعتمدت مرجعيات تاريخية ويومية وفنية تجاوزت الحصار والتعتيم والطمس.

يعتمد أبوالرب على عدة تقنيات لتشكيل الرمز والفكرة التي يبثها، منها حجم الفرشاة المستخدمة وحركاته السريعة اللاإرادية مع انفعالاته المتداخلة في صخب الألوان المتنافرة، التي تتناقض بدورها بين الأحمر والأزرق والأبيض والأسود، فيعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك والفحم كخامة تتجاوز السوداوية في التعبير لتخترق بمرونة الفكرة المقصودة.

 يستحضر الفنان الفلسطيني كل شيء يعنيه كإنسان وذات بالرمز والحرف العربي في الكلمات، كما الخطوط والأشكال التي تعمّق فكرته في توترها وهدوئها وفي دورها داخل ذلك الصراع الملحمي، لتعبر عن اندماجه داخل الجدارية، وهو ما ساعده على تخليد فكرة الشهيد ليجسد انتصار الشرفاء في معارك الظلم من خلال رمزية المومياء، وبتحديه الظاهر للمساحة الشاسعة التي تقود المشاهد إلى السفر داخل تضاريسها التي تثبت حالة اللاشعور، والتي تدفع الحدث والإحساس للالتقاء في صراع فني تتشابك فيه الذات والحدث والفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى