ميثم التمار.. الصحابي العارف بعلوم المنايا

استشهد ميثم التمار قبل أيام قليلة من وصول الإمام الحسين “عليه السلام” الى مدينة كربلاء المقدسة، حيث تم صلبه وطعنه من قبل أنصار ابن زياد لعنه الله.
وكان ميثم عبداً لامرأة أسدية، فاشتراه أمير المؤمنين علي “عليه السلام” ليعتقه، وسأله، مأ اسمك؟ قال: سالم، فسأله أمير المؤمنين “عليه السلام”: أخبرني رسول الله “صلوات الله عليه وآله” بأنّ اسمك الذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم، فقال ميثم: صدق الله ورسوله، وصدقت يا أمير المؤمنين، والله إنّه لاسمي، قال: فارجع إلى اسمك الذي سمّاك به رسول الله “صلى الله عليه وآله ودع سالما»، فرجع الى اسمه الأول وتكنى بأبي سالم، ثم لازم ميثم الإمام علي “عليه السلام” وصار كظله، يحذو خلفه حذو الفصيل أثر أمه، مكتسبا بذلك العلوم والمعارف العلوية السامية، مما لم يكتسبها إلا صفوة حواريي أمير المؤمنين “عليه السلام” حسبما أبداه من استعداد وقابلية، متحصلا بذلك على أسرار خفية وأخبار غيبة عظيمة الشأن.
تزوج التمار امرأة أسدية كوفية، أنجبت له شعيبا الذي صار من أصحاب الإمام الصادق “عليه السلام”، وصالحا الذي صاحب الإمام الباقر والإمام الصادق “عليهما السلام”، وعمرانا الذي صاحب الإمام زين العابدين والإمام الصادق “عليهما السلام”.
أمتاز التمار بكونه خطيبا مفوها ومتكلما بليغا، بل أنه من المتبحّرين في تفسير القرآن الكريم، حتى قال لأبن عباس عن نفسه: «سلني ما شئت من تفسير القرآن، فإنّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين عليه السلام، وعلّمني تأويله». كما امتاز بصدقه وورعه في رواية الحديث النبوي الشريف، فضلا عن روايته لأحاديث الإمام علي “عليه السلام”.
ناهيك عن فراسته وصفاء سريرته التي أهلته بأن يكون عالماً بعلم المنايا والبلايا، مستفيداً مما علمه إياه أمير المؤمنين علي “عليه السلام”، وقد يروى عنه في هذا الصدد، أنه مرّ على فرس له، مستقبلا حبيب بن مظاهر الأسدي في واحد من مجالس بني أسد، فتحدّثا حتّى اختلفت بينهما أعناق فرسيهما، فقال حبيب لميثم “رضوان الله تعالى عليهما”: «لكأنّي بشيخ أصلع، ضخم البطن، يبيع البطّيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حُبّ أهل بيت نبيّه عليهم السلام، يُبقر بطنه على الخشب»، فقال له ميثم: «وإنّي لأعرف رجلاً أحمر له صفيدتان، يخرج لينصر ابن بنت نبيّه فيُقتل، ويُجال برأسه في الكوفة»… ثمّ تفرقا عن مجلسهما، وصار بعدهما لغط في القول، ورأى أهل المجلس فيهما بأنهما كاذبان، وقالوا: «ما رأينا أحداً أكذبُ من هذين»، فقدم للمجلس رُشيد الهجري “رضوان الله تعالى عليه” في طلبهما، فقيل له أنهما افترقا بعد قولهما هذا، فقال لهم الهجري “رضوان الله تعالى عليه”: «رحم الله ميثماً، أنه نسي: «ويُزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثمّ ترك المجلس، فقال أهل المجلس بأنه أكذبهم، وما أن ذهبت الأيّام والليالي حتّى صلب ميثم على دار عمرو بن حُريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر قد قُتل مع الإمام الحسين “عليه السلام”.
من جهة أخرى، عُرف التمار بصدق قوله والجهر به، حتى عُد مذياعا لفضائل أهل البيت “عليهم السلام”، فضلا عن فضحه لمخازي بني أمية لا سيما معاوية ومن سار خلفه، حتى أنه صُلب في ذلك، بعد أن أمعن في تبيان فضائل بني هاشم، فاشتكى الشرطة للطاغية أبن زياد، مدعين بأن ميثماً قد فضح البلاط الأموي، فأمر بإلجامه، فكان بذلك أوّل خَلق اللهِ أُلجِم في الإسلام، فضلا عن صلبه وقتله، حسبما وصف له ذلك أمير المؤمنين “عليه السلام” قائلا: «والله لتقطعن يداك ورجلاك ولسانك، ولتقطعن النخلة التي بالكناسة، فتشق أربع قطع، فتصلب أنت على ربعها، وحُجر بن عَدي على ربعها، ومحمّد بن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها»، فقال ميثم: «فشككت في نفسي وقلت: إنّ علياً ليخبرنا بالغيب! فقلت له: أو كائن ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أي وربّ الكعبة، كذا عهده إليّ النبي “صلى الله عليه وآله”.
بل ان الإمام علي “عليه السلام” أراه النخلة التي يصلب على جذعها، فكان ميثم يأتيها ليصلّي عندها، ويقول: «بوركت من نخلة، لك خلقت ولي غذيت»، حتى أنه قال لعمرو بن حريث: «انّي مجاورك فأحسن جواري»، فرد عليه عمرو: «أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم؟»، حتى صارت شهادته وعلم الجميع مقصد ميثم.



