“البسروكياتا”.. ذكريات معلم في قرية جنوبية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد علي البدر، واحداً من كُتّاب القصة الجيدين، ولكن سعى في المدة الأخيرة الى اللحاق بركب كُتّاب الرواية “البسروكياتا”، ذكريات معلم في قرية جنوبية، تتعرض الى العديد من المواقف، وقد كتب عنها الناقد حمدي العطار، دراسة نقدية تنشرها اليوم “المراقب العراقي”.
القاص علي البدر من خلال مهارته في السرد القصصي وما قدمه من قصص كانت تشتمل على نضج ووعي بمفاهيم الجماليات القصصية للقصة الواقعية النقدية غير أنه في رواية (البسروكياتا) تعثر في البناء الفني الروائي عندما أراد أن يحول جزء من سيرته الذاتية المهنية كمعلم في قرية البسروكية في محافظة واسط من الواقع إلى السرد الروائي، لقد افلتت من سيطرته أدواته التعبيرية، إذ جاءت في أجواء من الرواية منها مترهلة ميلودرامية في بناء الحدث الروائي، وكانت لغته قلقة، حاول تصوير الوعي المتمرد للبطل “صادق” الذي اجتهد في إجراء اصلاحات على سلوكيات وتصرفات طلابه وجعل التحدي مهنياً محصوراً في (تغيير فقرات من القراءة الخلدونية) وأننا إذ نذكر ملاحظاتنا النقدية ننتظر جديد علي البدر في عمل روائي تصبح فيه الرواية في المواجهة مع الواقع وأداة فعل واعٍ، لفهم المدى العميق والواقعي لتناقضات الواقع في ذروة احتدامه.
الزمن في الرواية لا يتجاوز سنة دراسية واحدة وقد حددها الروائي بشكل دقيق (واحد اذار ألف وتسعمائة وواحد وسبعين) لذلك فإن الأحداث العامة يمكن أن تكون في هذه المرحلة الزمنية والاستذكار يشمل الماضي، لكن الروائي أحيانا يتجه في السرد الى أحداث تخص المستقبل “لكن الحال أصبح اسوأ خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 عندما كان الطاغية صدام يسأل من يمنحهم، عن انتماءاتهم العشائرية وكان جوابه المألوف “كفو”، والغريب أنه هجر عشرات الألوف من العرب والاكراد الفيلية إلى إيران، وهم من سكن أجداد أجدادهم العراق، حيث سحب عنهم الجنسية العراقية، بينما منح الغجر الجنسية العراقية “ص37.
قضية تغيير المناهج صورت في الرواية وكأنها مسألة بسيطة في ظل النظام السابق، بينما لا يحق لأي معلم أو مدرس أن يغير في المنهج مهما كان منصبه، والقراءة الخلدونية حسب معرفتي قد وضعها ساطع الحصري في عشرينيات القرن الماضي كمنهج لتعليم ولده (خلدون) وقد سميت الخلدونية، ولم تكن تحوي أي ملمح ديني أو طائفي أو طبقي، واستمرت على الرغم من تغيير الأنظمة السياسية من الملكية الى عصر الجمهوريات، فكان المثال الذي أورده الروائي وحاول تغييره غير موفق “لقد حشر الكتاب كلمة حمال بين مهن مقبولة حلاق وحداد وبالإمكان استعمال كلمة حطاب بدلها”، في العراق لا توجد مهنة الحطاب عندنا لعدم وجود الغابات، بينما توجد مهنة حمال في الأسواق، وهي كلمة للتعليم وليست لإهانة أحد كما يعتقد الروائي، وهل تنتهي معاناة الحمال في العراق عندما ترفعها من مادة القراءة الخلدونية؟!.
البسروكية في الرواية هي مجموعة بيوت آمنة وقناعة بعيشة كريمة ضمن ترابط أسري فريد… زوجة قانعة راضية.. أواصر أسرية متماسكة وعلاقات اجتماعية رصينة، نبل وكرم ونخوة لبسطاء توارثوا العيش في بيوت الطين وشرب الماء الخابط والعيش في الظلام.
في رواية (البسروكياتا) لم يجد القاص علي البدر، ما يكتبه عن الوضع الحالي فرجع الى التاريخ الشخصي ليكتب مذكراته عندما كان شاباً وينسب كمعلم في قرية البسروكية، وجعلها -كما يعتقد- في قالب روائي يدين فيها التخلف والاهمال والواقع الريفي في ظل غياب الاهتمام وعدم توفير الخدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب وغياب الصرف الصحي وانتشار الأوبئة والأمراض وغياب الرعاية الصحية والفقر وهو يركز اصلاحه على السلوكيات الملبس وفرض النظام والطابور وتغيير المناهج الدراسية، لكنه لم يخلق لنا شخصيات لها ذلك الثراء مثلما حدث في شخصيات قصصه الناضجة، الواقعية المفرطة كتمت أنفاس القاص والمتلقي، فضلا عن ابراز دور البطولة لشخصية صادق التي لم تكن شخصية روائية ناجحة.



