“شاي وخبز” يرصد تأريخ الانقلابات التي عسكرت المجتمع العراقي

المراقب العراقي/ المحرر العراقي…
يعد الكاتب والروائي خضير فليح الزيدي، واحداً من المبدعين في تناول الواقع العراقي في العديد من الإصدارات، وأهمها “شاي وخبز” الذي يتناول حكايات عايشها الزيدي، وقد كتبت العديد من القراءات النقدية، ومنها ما كتبه الناقد هادي الحسيني الذي يقول في قراءة نقدية تنشرها “المراقب العراقي”: “للمرة الأولى أقرأ للكاتب والروائي خضير فليح الزيدي، إذ أهداني كتابه صاحب العنوان الغريب وهو (شاي وخبز) كنتُ أنظر الى الكتاب الذي غلافه عبارة عن صورة لطفلين بلباس الجيش العراقي القديم، ليس ثمة رابط ما بين الغلاف والعنوان، لكن عليَّ أن أقرأ الكتاب حتى أستكشف تلك العلاقة ما بين غلاف الكتاب ومضمونه الشيق”.
“شاي وخبز” كتاب عراقي بامتياز وفيه من القصص الجميلة الكثير، لا بل هو عبارة عن كتاب قصصي حكواتي من الدرجة الأولى، يتحدث عن تفاصيل دقيقة ومهمة في تاريخ العراق، منذ الخمسينيات وما قبلها، وكيف تمت عسكرة المجتمع العراقي عبر خمسة انقلابات عسكرية دراماتيكية منها من جاء بقطار أو دبابة أمريكية، انقلابات أسست لعسكرة العراق ونزفت دماء أبنائه بغزارة بسبب العهر السياسي الذي لم يرعَ يوماً وطنه وشعبه.
في الفصل الأول، يحاول ان يبكينا الكاتب وهو يحدثنا عن بلادنا التي تعسكرَ مجتمعها جراء حكم العسكر ويسترسل حديثه الشيق والممتع عن الذات العراقية وكيفية دراسة أنماطها في داخل البيت العراقي، ولعل شرب الشاي هو حالة عراقية بامتياز وطقوس عراقية بحتة، وعادة ما نشرب الشاي في كل مكان وخاصة في البيت، وجلسات الشاي تتخللها الكثير من الصدق والكذب والغش والحب والكره والحقد والنبل، وكذلك تدخل تلك الجلسات في الآداب والعلوم وكل شيء تقريبا، ويحاول الكاتب خضير الزيدي ان يربط الكثير من التفاصيل الدقيقة والتي كنا نشاهدها في الشارع أو المحلة أو المنطقة، فيحدثنا عن الرجل السوداني الذي عاش في بغداد عند منطقة البتاويين لعشرين سنة ويتحدث اللهجة العراقية بطلاقة، لكن يصعب عليه لفظ كلمة (الباجة) وهي عراقية خاصة لا يقدر على لفظها غير العراقي، ويصل بنا الكاتب الى حكاية جميلة بعنوان (الكمش والقشمر) ومفردة الكمش جاءت في فترة الجمهورية وتدل على شرود الذات وبلادتها ثم تطورت كلمة الكمش في كل عصور “العسكرتارية” التي حكمت العراق منذ عام 1958 وحتى اليوم، فتطورت وأخذت أبعادا أخرى، وأما كلمة قشمر فهي كلمة عسكرية صرف وتستخدم في معسكرات التدريب بالضد من الجنود المستجدين في الخدمة، ولطالما سمعناها من الضباط ونواب ضباط الجيش العراقي وحتى من العريف والنائب العريف.
في الفصل الثاني الذي خصص للبيت، يروي لنا الكاتب الكثير من الحكايات المدهشة الجمال وكنا قد صادفنا شبيهة لها في مناطقنا التي عشنا فيها ببغداد عاصمتنا الجميلة والبارعة في العظمة والتناقضات الكثيرة التي لا توجد في أية مدينة أخرى في هذا العالم.
الفصل الثالث، نقل معاناة الانسان العراقي الذي يمتلك عائلة كبيرة وبيتاً صغيراً جدا كما عباس الحلاق، وثمة حكايات مثل الدار للبيع وغرفة المعيشة واعمى البيت وحكايا أخرى متقنة بمهارة السارد المتمكن من حدثه الذي على الأرجح، يكون الكاتب خضير فليح الزيدي قد عاصره وشاهده عن كثب، فهو ابن بغداد وابن منطقة شعبية تكثر فيها الحكايات من هذا النوع على العكس تماما من مناطق وأحياء الناس الأغنياء الذين لا يلتقون حتى بجيرانهم فتكون أحداث مناطقهم الغنية بالمال والذهب والسيارات والبيت والخدم والحشم خاوية تماما من نبض الحياة وتشبه الى حدٍ كبير المقبرة، ولهذا فأن أغلب الذين كتبوا عن بغداد بشكل خاص والعراق بشكل عام لم يذكروا أحياء الأغنياء التي تفتقر للحياة وألتقاطاتها اليومية.
في الفصل الرابع والأخير من الكتاب يأخذ بنا الكاتب بكتابه الى الطعام وحكاياته، فيبدأ بشاي وخبز وهي وجبة غذائية كاملة بالنسبة للفقراء والمعدومين ويتحدث عن العدس وشوربته التي تعد وجبة أساسية من وجبات الجيش العراقي.
في كتاب “شاي وخبز” نلحظ، ان الكاتب المبدع خضير فليح الزيدي، قد كتب شبه سيرة لمدينة اسمها بغداد أو بلاد أسمها العراق وهو يتناول بسرده الشيق كل مفاصل الحياة اليومية التي كان ومازال العراقيون يعيشون تفاصيلها.
كتاب “شاي وخبز” كتاب فريد من نوعه في الأدب العراقي ويتحدث بألم ودعابة وحب عن بلاد ما بين النهرين وعن أحداثها في الستين سنة الأخيرة التي عسكرت الدولة العراقية وهدمتها وجعلت من البلاد متخلفة بكل شيء ومازالت، كانت حياة ملؤها الحب والخوف والرعب سواءً كنت في البيت أو المقهى أو حتى في الخارج، “شاي وخبز” كتاب أنيق بطروحاته وتناوله للحالة العراقية وهو يؤرشف للعاصمة بغداد وحكايات مجتمعها في تلك الفترات التي كانت بالنسبة لهذا الوقت فترات ذهبية رائعة، وينطبق كل ما ذكره من أحداث في العاصمة على جميع مدن العراق من زاخو الى الفاو.



