غوستاف دالمان.. كاتب ألماني فلسطيني الهوى

يُعد الكاتب الالماني غوستاف دالمان واحدا من الكتاب الذين أيدوا القضية الفلسطينية في كتاباته فهو كاتب ألماني فلسطيني الهوى ودرّة ما أنجزه هي موسوعته التي ترجمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عشرة أجزاء، واحد منها عن القدس والباقي تحت عنوان “العمل والعادات والتقاليد في فلسطين”، وصرفت جهود الترجمة والبحث والمراجعة المضنية عشر سنوات من 2013 حتى 2023. وإذا قلنا إنّها موسوعة ضخمة فهي كذلك، غير أنّ العجيب هو الجَلَد الدؤوب والحفْر بدقّةِ الإبرة في توثيق الحياة الفلسطينية، في بناها الاجتماعية والثقافية والزراعية والعمرانية، من مضارب البدو إلى الفلاحين في بيوتهم ومواسمهم الزراعية إلى المدن.
حين نقرأ الآن ما كتبه دالمان في مقدّمته سنعرف كم هو مختلف، وكم تلزمنا قراءةُ ما أنجزه، لأهميته الكبرى في قراءةِ شعبٍ وأرضٍ معاصريْن.
منذ وطأتْ قدماه أرض فلسطين عام 1899 ودخوله القدس في 17 أبريل/نيسان من ذلك العام، وقع أمرٌ لافتٌ للانتباه، وهو صدور كتابه “الديوان الفلسطيني” عام 1901، وجمع فيه نصوص الأغاني الشعبية الفلسطينية بشموليةٍ ومعرفةٍ، بفوارق النطق بين اللهجاتِ وملحقَة بنوتاتٍ موسيقية.
كيف أنجز هذا وهو الذي قضى في فلسطين شهريْن، ثم ارتحل إلى حلب سبعة أشهر، ثم عاد. وفي ذهابه وعودته، زار الأردن وجنوب لبنان، ثم استقرّ بعض الوقت في مصر؟ أي أنّ كتابه الهامّ، وهو لم يترجم بعد ترجمةً رسمية، جمع مادّته بصبر ومواظبة في بضعة أشهر.
والحديث إن كان في هذا المقام غير متعلّقٍ بـ”الديوان الفلسطيني”، إلا أنّ مفتاح المسيرة المعرفية لدالمان من خلال الشعر الشعبي يقطع بشكلٍ واضح بأنّه ليس من تلك الفصيلة التي اشتُهر عنها حملها معول الحفر بيد والتوراة بيد.
لقد دخل مباشرة في النسيج الاجتماعي منذ البداية، قبل أن يتلقّى أمر التعيين من الإمبراطور فيلهلم الثاني عام 1902 مديراً للمعهد الإنجيلي لدراسة الأرض المقدّسة في العصور القديمة حتى 1917. وهذا التكليف المموّل من قوةٍ عظمى في ذلك الوقت وضعَ دالمان في المجالِ الأصعب من البحث، إذ كان من سبقه يحفظون الدرس الديني من كتابٍ مقدّسٍ تجاه أرضٍ مقدّسة، وهذه القدسية أسهل ما يمكن أن تفعله دولٌ من طراز بريطانيا وفرنسا لنزعِ شرعية الوجود للسكّان الأصليين، وبناء مستوطنات كما تفعل الولايات المتحدة وإسرائيل.



