الاسرة في الاسلام

هناك نظرة تقول بعدم الحاجة إلى العائلة، فلنا أن نعيش حياة بدون قيد ونكون سعداء بذلك، ومعنى ذلك: إنّنا نرجّح من يقول بأنّ الحياة الاُسرية هي حياة وضعية اختارها الإنسان وليست حياة طبيعية له، فعلى هذا ستكون العلاقة الحميمية عامة مشتركة بين الأفراد، ويعيش الرجل منفصلاً عن المرأة، وهذا يؤدي إلى وجود دور خاصة للأطفال يقوم أفراد معيّنون بتربيتهم وحضانتهم.
أقول: لم يثبت لحدّ الآن وجود عصر من عصور التاريخ لم يعش فيه الإنسان الحياة العائلية، فحتى القبائل المتوحشة الموجودة في العصر الحاضر ـ والتي تكون نموذجاً لحياة الإنسان القديم ـ لم تكن العلاقة الحميمية بين الذكور والإناث عامة، بحيث تعيش المرأة منفصلة عن الرجل.
وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على أنّ المشاعر العائلية عند الإنسان الحاصلة من الزواج وعدم الاطلاق هو أمر طبيعي وغريزي، وليس حاصلاً من التمدّن والحضارات الحديثة.
ونظرة الإسلام التي ترى أنّ سعادة البشرية تكون في الحياة الزوجية العائلية الطبيعية، وأنّ المجتمع السعيد بلحاظ الحياة الدنيا ـ وبغض النظر عن مسألة الآخرة ـ هو المجتمع المبني من وحدات صغيرة عائلية متماسكة، وذلك:
1ـ لأنّ استقرار الحياة ونظامها يتوقّف في نظر الإسلام على الحياة الزوجية العائلية، فالنظام العائلي هو النظام الأنجح في تأمين ما يحتاج إليه الإنسان من استقرار ونظمها بأحسن وجه.
2ـ إنّ الحاجات البشرية ليست كلّها عبارة عن حاجات مادية، فحتى لو فرضنا أنّ مجتمعاً مطلقاً استطاع أن يوفّر الحاجات المادية لكلّ أحد بشكل مستقرّ، فإنّ هذا لا يكفي لإسعاد البشر، إذ يوجد جانب روحي في البشر يبقى ضماناً، وهو جانب السكون النفسي والاُلفة والمحبة والحنان، فإنّ الزوجة إذا لم تُحِسّ بمن يحنّ عليها فلا تشعر بسعادة، وكذلك الزوج فضلاً عن الأطفال، فانّهم إذا لم يُحسوا بالمحبة والحنان يكونوا معقّدين في الحياة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
ولهذا فقد جعل الإسلام النفقة والمسكن واجباً على الزوج، وهذا الوجوب لا يستفاد منه مزيّة للرجل على المرأة التي تحتاج إلى ذلك غالباً، بل حتى لو كانت الزوجة غنيّة فمع ذلك يجب على الزوج نفقة الزوجة وتهيئة السكن لها، وما ذاك إلاّ لأن يشعر الرجل بالمسؤولية وبالارتباط بالحياة الزوجية وتكوين الأُسرة التي تكون مفيدة للطرفين، لما فيها من الحماية والسكن والاستقرار، فلو فرضنا أنّ المرأة لا تحتاج إلى نفقة وإلى مسكن، إلاّ أنّها بلا شكّ بحاجة إلى حماية الزوج لها، وبحاجة إلى السكن الذي هو استقرار روحي ونفسي لها، ولا نجد هذه الفوائد إلاّ بتكوين الأُسرة المتكوّنة من الزواج.
بالإضافة إلى أنّ الأولاد إذا عاشوا في كنف والديهم فسيكونون قد حصلوا على الضمان الكافي لمعيشتهم عيشة يكون الأبوان محامين عنهم عاملين على سعادتهم، بخلاف دور الرعاية العامة التي تتعرّض لنقص في الحماية على الأطفال، مثلاً: إذا مرض الطفل في الأُسرة فإنّ الأبوين سيعملان كلّ ما في وسعهما لإنقاذه من المرض بعرضه على الطبيب وإجراء العملية الجراحية له إن احتاج إليها، أمّا الطفل في دور الرعاية فلا توجد تلك الحماية له، لعدم وجود ذلك الحنان الدافع للحماية التامة.



