اخر الأخبار

ظاهرة تهدد الإستقرار الإجتماعي

تميزت أعوام العقود الثلاثة الماضية بشيوعِ الكثير من الظواهر، الَّتِي تُعَد في واقعِها الموضوعي من المستجداتِ الطارئة عَلَى منظومةِ مجتمعنا القيمية، إلا أنَّ ديمومةَ هذه المظاهرِ السلبية وتناميها بوتائرٍ متصاعدة في الشارعِ المحلي يعبر بما لا يقبل الشك عن نضوجِ ما تتطلب من العواملِ المساهمة في عمليةِ تكريسها وترسيخ دعائمها بما يخالف الفهم التقليدي لطبيعةِ ما أنتجته الأزمات الَّتِي عاشتها بعض البلدان من إفرازاتٍ مؤثرة، حيث استفحلت العديد من الظواهرِ الاجتماعية في بلادِنا خلال المدة الماضية على الرغمِ من خطورتِها ومدياتِ انتشارها السريع، ولاسيَّما مهنة التسول الَّتِي قد لا نجد في الأفقِ حلولاً تفضي إلى اضمحلالِها أو الحد من تداعياتِها بعد أنْ تحولت مظاهرها إلى علامةِ فارقة، وسمة بارزة لمجتمعِنا يشار إليها بالبنانِ في ظلِ خيبة المؤسسات والدوائر المعنية بمواجهةِ مجموعة العوامل الَّتِي أفضت إلى سعةِ امتدادها، بآلياتٍ مؤثرة من شأنِها المساهمة بفاعليةٍ في التمهيدِ لتلاشي ظاهرة التسول، الَّتِي أضحت أشبه بحالةِ إدمانٍ أو على الأقل ترسيخ مقومات التأسيس لمشروعٍ وطني يعنى بمهمةِ مكافحتها بشكلٍ تدريجي.
إلى جانبِ إعاقة ظاهرة التسول لعمليةِ التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنَّ الوجه الآخر لخطورتِها يتجسد بسلبيةِ آثارها في سلوكياتِ واستقرار ممتهنيها، ولاسيَّما الاطفال الَذين يتعرضون بشكلٍ كبير إلى تداعياتِها المؤثرة في طبيعةِ توازنهم النفسي ومستقبلهم المهني، بوصفِها ظاهرة اجتماعية يمكن أنْ تفضي إلى استغلالِ الأطفال والنساء المتسولات بقصدِ ممارسة الرذيلة والمتاجرة بالموادِ المخدرة، الَّتِي حولت العراق إلى بلدٍ مستهلك لهذه السمومِ بعد أنْ كان ممراً لها فيما مضى.
يمكن القول إنَّ الصورَ الإنسانية التقليدية، الَّتِي يزخر بها مجتمع التسول المتأتية صَيْرورته من جملةِ عواملٍ موضوعية، أبرزها الفقر والبطالة والمشاكل العائلية، اضمحل أثرها ما بين زحمة وتنوع أساليب الخداع المنظمة، الَّتِي دأبت عَلَى انتهاجِها مجموعاتٍ احترفت أعقد طرائق النصب والاحتيال سبيلاً لاستجداءِ عواطف الناس، بغية الحصول عَلَى المال في نهايةِ المطاف. إذ أنَّ المواطنَ العراقي عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر لم يُعَد قادراً عَلَى التمييزِ ما بين من تكافح لإعالةِ أسرة كبيرة ليس لها من يخفف عنها متاعب الحياة، الَّتِي أثقلتْ كاهلها، وما بين أب ضال ألزمته نزواته إجبار أبنائه ترك مقاعد الدراسة والتوجه صوب الشوارع والطرقات أو افتراش التقاطعات المرورية أو الوقوف عند مداخل الأسواق وأبواب المحال التجارية والكليات ودوائر الدولة من أجلِ كسب المال بوساطةِ طلب المساعدة من المارةِ أو المتبضعين أو اللجوء لطرقِ نوافذ السيارات.
لا مبالغة كبيرة في القولِ إنَّ انتشارَ ظاهرة التسول في الآونةِ الاخيرة بمختلفِ مناطق البلاد واستفحالها في العاصمةِ بغداد عَلَى خلفيةِ عمليات التهجير القسري، الَّتِي تبنتها عصابات ( داعش ) الإرهابية، بالإضافةِ إلى زحفِ العشرات من اللاجئين السوريين، أصبح من بينِ أهم عوامل تهديد الاستقرار الاجتماعي وسط غياب الدور الحكومي لمعالجةِ هذه الظاهرة، الَّتِي أفضتْ إلى اتساعِ حالات تجنيد مجاميع محترفة لأفرادٍ جلهم من الأطفالِ بقصدِ الاستجداء، مع العرضِ أنَّ استغلالَ الأفراد للتسول يُعَدُّ من جرائمِ الاتجار بالبشر!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى