الوسواس الخبيث وعلاجه

الوساوس إن كانت بواعث الشرور والمعاصي، فالعلاج في دفعها أن يتذكر سوء عاقبة العصيان ووخامة خاتمته في الدنيا والآخرة، ويتذكر عظيم حق الله وجسيم ثوابه وعقابه، ويتذكر أن الصبر عما تدعو إليه هذه الوساوس أسهل من الصبر على نار لو قذفت شرارة منها إلى الأرض أحرقت نبتها وجمادها، فإذا تذكر هذه الأمور وعرف حقيقتها بنور المعرفة والإيمان، حبس عنه الشيطان وقطع عنه وسواسه، إذ لا يمكن أن ينكر عليه هذه الأمور الحقة، إذ يقينه الحاصل من قواطع البرهان يمنعه عن ذلك ويخيبه، بحيث يرجع هاربا خائبا. فإن التهاب نيران البراهين بمنزلة رجوم الشياطين، فإذا قوبلت بها وساوسهم فرت فرار الحُمُر من الأسد.
وإن كانت مختلجة بالبال بلا إرادة واختيار، من دون أن تكون مبادئ الأفعال، فقطعها بالكلية في غاية الصعوبة والإشكال، وقد اعترف أطباء النفوس بأنها الداء العضال ويتعسر دفعه بالمرة، وربما قيل بتعذره ولكن الحق إمكانه، لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (من صلى ركعتين لم تتحدث نفسه فيها بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، ولولا إمكانه لم يتصور ذلك.
والسر في صعوبة قطعها بالكلية أن للشيطان جندين: جندا يطير وجندا يسير، والواهمة جنده الطيار، والشهوة جنده السيار، لأن غالب ما خلقتا منه هي النار التي خلق منها الشيطان، فالمناسبة اقتضت تسلطه عليهما وتبعيتهما له. ثم لما كانت النار بذاتها مقتضية للحركة، إذ لا تتصور نار مشتعلة لا تتحرك، بل لا تزال تتحرك بطبعها، فشأن كل من الشيطان والقوتين أن يتحرك ولا يسكن، إلا أن الشيطان لما خلق من النار الصرفة من دون امتزاج شيء آخر بها فهو دائم الحركة والتحريك للقوتين بالوسوسة والهيجان، والقوتان لما امتزج بغالب مادتهما أعني النار شيء من الطين لم تكونا بمثابة ما خلق من صرف النار في الحركة، إلا أنهما استعدتا لقبول الحركة منه، فلا يزال الشيطان ينفخ فيهما ويحركهما بالوسوسة والهيجان ويطير ويجول فيهما. ثم الشهوة لكون النارية فيها أقل فسكونها ممكن، فيحتمل أن يكف تسلط الشيطان عن الإنسان فيها، فيسكن بالكلية عن الهيجان.
وأما الواهمة فلا يمكن أن يقطع تسلطه عنها، فيمتنع قطع وسواسه عن الإنسان، إذ لو أمكن قطعه أيضا بالمرة، لصار اللعين منقادا للإنسان مسخرا له، وانقياده له هو سجوده له، إذ روح السجود وحقيقته هو الانقياد والاطاعة، ووضع الجبهة حالته وعلامته، وكيف يتصور أن يسجد الملعون لأولاد آدم (ع) مع عدم سجوده لأبيهم واستكباره من أن يطمئن عن حركته ساجدا له معللا بقوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين) فلا يمكن أن يتواضع لهم بالكف عن الوسوسة، بل هو من المنظرين لإغوائهم إلى يوم الدين، فلا يتخلص منه أحد إلا من أصبح وهمومه هم واحد، فيكون قلبه مشتغلا بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالا فيه، ومثله من المخلصين الداخلين في الاستثناء عن سلطنة هذا اللعين، فلا تظنن أنه يخلو عنه قلب فارغ، بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم، وسيلانه مثل الهواء في القدح، فإنك إن أردت أن تخلي القدح عن الهواء من غير أن تشغله بمثل الماء فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يدخل فيه الماء يخلو عن الهواء، فكذلك القلب إذا كان مشغولا بفكر مهم في الدين يمكن أن يخلو من جولان هذا اللعين، وأما لو غفل عن الله ولو في لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، كما قال سبحانه: (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين).
فظهر أن وسواس الخناس لا يزال يجاذب قلب كل إنسان من جانب إلى جانب، ولا علاج له إلا قطع العلائق كلها ظاهرا وباطنا، والفرار عن الأهل والمال والولد والجاه والرفقاء، ثم الاعتزال إلى زاوية، وجعل الهموم هما واحدا هو الله. وهذا أيضا غير كاف ما لم يكن له مجال في الفكر وسير في الباطن في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع الله، فإن استيلاء ذلك على القلب واشتغاله به يدفع مجاذبة الشيطان ووسواسه، وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة من الصلوات والأذكار والأدعية والقراءة.
ما يتم به علاج الوسواس
لو أمكن العلاج في القطع الكلي للوساوس فإنما يتم بأمور ثلاثة:
(الأول) سد الأبواب العظيمة للشيطان في القلب، وهي الشهوة، والغضب، والحرص، والحسد، والعداوة، والعجب، والحقد، والكبر، والطمع، والبخل، والخفة، والجبن، وحب الحطام الدنيوي الدائم، والشوق إلى التزين بالثياب الفاخرة، والعجلة في الأمر، وخوف الفاقة والفقر، والتعصب لغير الحق، وسوء الظن بالخالق… وغير ذلك من رؤوس ذمائم الصفات ورذائل الملكات، فإنها أبواب عظيمة للشيطان، فإذا وجد بعضها مفتوحا يدخل منه في القلب بالوساوس المتعلقة به، وإذا سدت لم يكن له إليه سبيل إلا على طريق الاختلاس والاجتياز.
(الثاني) عمارة القلب بأضدادها من فضائل الأخلاق وشرائف الأوصاف، والملازمة للورع والتقوى، والمواظبة على عبادة ربه الأعلى.
(الثالث) كثرة الذكر بالقلب واللسان. فإذا قلعت عن القلب أصول ذمائم الصفات المذكورة التي هي بمنزلة الأبواب العظيمة للشيطان، زالت عنه وجوه سلطنته وتصرفاته، سوى خطراته واجتيازاته، والذكر يمنعها ويقطع تسلطه وتصرفه بالكلية، ولو لم يسد أبوابه أو لا لم ينفع مجرد الذكر اللساني في إزالتها، إذ حقيقة الذكر لا يتمكن في القلب إلا بعد تخليته عن الرذائل وتحليته بالفضائل، ولولاهما لم يظهر على القلب سلطانه، بل كان بمجرد قولك: إخسأ، وإن كان عندك شيء منها لم يندفع عنك بمجرد مثل كلب جائع، ومثل هذه الصفات المذمومة مثل لحم أو خبز أو غيرهما من مشتهيات الكلب، ومثل الذكر مثل قولك له: إخسأ. ولا ريب في أن الكلب إذا قرب إليك ولم يكن عندك شيء من مشتهياته فهو ينزجر عنك بمجرد قولك: إخسأ، وإن كان عندك شيء منها لم يندفع عنك بمجرد هذا القول ما لم يصل إلى مطلوبه.



