التبليغ الديني .. ومتطلبات المرحلة

حمزة العقابي
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ – الأحزاب: 39- .
لا يخفى على أحد ما للتبليغ الديني من دور كبير في تبيين وإحياء العقائد والقيم والمبادئ والأخلاقيات والسلوكيات التي جاء بها الإسلام وترسيخها في المجتمع، ولولا هذا الدور لاختفت معالم الإسلام من حياتنا اليومية، خصوصا أننا نعيش في ظل غزو ثقافي استعماري معادٍ يستهدف هدم حضارة وثقافة أبناء الأمة الإسلامية، ومن هنا جاء التأكيد المحمدي على أهمية العمل التبليغي، إذ يقول الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): “رحم الله خلفائي، فقيل يا رسول الله، من خلفاؤك ؟ قال صلى الله عليه وآله: الذين يُحيونَ سنّتي ويُعلّمونها عباد الله”، ويقول (ص) أيضا: “ألا أحدّثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور ؟ فقيل من هم يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله: “هم الذين يُحبّبون عباد الله إلى الله، ويُحبّبون عباد الله إليَّ، فإذا أطاعوهم أحبّهم الله”..
وهنا نتساءل ما الهدف من التبليغ الديني ؟ وما متطلبات المرحلة التي لابد للخطاب الديني من أن يرتكز عليها ؟.
الهدف من التبليغ الديني:
الهدف الرئيس الذي يتوخاه التبليغ الديني هو بناء مجتمع إسلامي واعٍ، مطبق لكل تعاليم الإسلام لا لأجزاء منها دون الأجزاء الأخرى، وذلك لما يمثله الإسلام من منظومة قيمية متكاملة تقدم الحلول الناجعة لجميع مشاكل ومصاعب الحياة الاجتماعية، وهذا الأمر يوجب على المبلغ أن يكون ملماً بجميع مفاصل ومعالم الإسلام المحمدي الأصيل ومن مصادره الرصينة، هذا أولاً، أما ثانياً فأن يكون مطلعاً على واقع المجتمع ومشكلاته، وأخيراً يكون مكلفاً بتقديم وطرح المفاهيم التي من شأنها أن تنهض بواقع المجتمع الإسلامي وتحويله من مجتمع ساكن مأزوم إلى مجتمع متحرك يسير على طريق التكامل في الإطار الإسلامي.
ونتيجة لمعرفتها بما لتحقيق هذا الهدف العظيم من خطر كبير على مصالحها غير المشروعة في العالم الإسلامي، عقدت قوى الاستكبار العالمي وبوسائلها المتعددة العزم على الحيلولة دون ذلك، وذلك بسلاح الإعلام المضلل والمفسد من جهة، ومن جهة أخرى من خلال اختراقها بشكل أو بآخر لأطر وضوابط التبليغ الديني، من أجل التأثير على طبيعته الفعالة، ومن ذلك مثلاً الدفع باتجاه أن يركز شخص المبلغ في طرحه التبليغي على أمور وأفكار بعيدة عن متطلبات المعالجة الصحيحة لمشكلات الواقع الذي نعيشه.
متطلبات المرحلة:
مما يؤسف له أن التبليغ الديني يعيش اليوم حالة من روتينية المضمون وترفية الطرح، على الرغم من وجود محاولات جادة للارتقاء بالخطاب الديني نحو الصوابية والفعالية، لكنها لم تستطع أن تجعل من مشروعها التطويري منهجاً عاماً راسخاً في مسيرة الخطاب الديني، وذلك بسبب من عدم جدوائية المحاولات الفردية غير المتعاوَن معها، إذ هي لا تقارن بجدوائية المحاولات الجماعية التي من شأنها أن تكون سداً قوياً يمنع تدفق الانحرافات إلى المجتمع، لذا رأينا أن من اللازم علينا أن نسلط الضوء على بعض الحاجات الاجتماعية الضرورية التي يتطلبها الواقع، حيث لابد للمبلغ الديني من أن يركز عليها، وهي كالتالي:
1- ضرورة الجهاد: فالمبلغ مكلف ببيان حقيقة مفهوم الجهاد، وموقعه في الفكر الإسلامي، ودوره في النهوض بالواقع وحفظ الإسلام، خصوصاً أننا نعيش في ظل تكالب الأعداء على الأمة الإسلامية وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل. ومن جانب آخر لابد من تعريف الناس بشمولية هذا المفهوم لكل مجالات الحياة، فالجهاد لا يقتصر على حمل السلاح بوجه الأعداء فقط – وإن كان في قمة هرم الأولويات -، فالكلمة الناصحة الصادقة جهاد، والنفقة في سبيل الله جهاد، ودعم التقدم العلمي للأمة الإسلامية جهاد، وعدم تبعية الأمة في اقتصادها وسياستها لقوى الاستكبار العالمي جهاد أيضاً، ويمكننا القول إن كل عمل يهدف إلى الرقي بالمجتمع الإسلامي وحفظ عزته وكرامته هو عمل جهادي.
2- ضرورة الدعوة إلى وحدة المسلمين ونبذ التفرقة: إن الوحدة الإسلامية ضرورة يفرضها واقع الأمة الإسلامية، وسبيل أساسي من سبل النهوض به، ومن هنا جاء الأمر الإلهي بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ – آل عمران: 103-، فالله تعالى يدعو جميع الأمة إلى التمسك بحبله وان لا يتفرق بعضها عن بعض. تجدر الإشارة إلى أن الوحدة الإسلامية لا تعني ترك المبادئ الأساسية والضروريات الدينية أو المذهبية، بل تعني اتخاذ الموقف الموحد والتعاون، وبهذا الصدد يبين الإمام الخامنئي (دام ظله) أن “الوحدة الإسلاميّة معناها واضح، إذ ليس المراد منها تذويب كلّ المذاهب في مذهب واحد”، و “معنى أن تتّحد الشعوب المسلمة هو أن تتخذ موقفاً موحداً فيما يخصّ مجريات ومسائل العالم الإسلاميّ، وأن تتعاون فيما بينها…”. وكذلك لا تعني الوحدة الإسلامية التصالح مع من يسفكون الدماء البريئة باسم الإسلام والتغاضي عنهم – كما يفهم البعض-، فمثل هؤلاء لابد من محاسبتهم والقضاء عليهم؛ من أجل تحقيق هدف الوحدة الإسلامية وهو إعلاء كلمة الله والتي بها تكتسب الأمة الإسلامية عزتها وكرامتها.
3- ضرورة نشر الوعي السياسي والوقوف بوجه المؤامرة الاستكبارية: إن دول الاستكبار العالمي وعلى رأسها أمريكا عملت على إنشاء أنظمة سياسية تحكم كل بلد إسلامي بحيث تكون تابعة لها في القرارات والمواقف، والهدف من ذلك محاربة الإسلام وحصره في زوايا ضيقة بعيدة عن واقع المجتمع، وأيضاً السيطرة على ثروات البلاد الإسلامية، وكذلك الحفاظ على أمن إسرائيل، هذه الجرثومة السرطانية التي زرعت في قلب الأمة الإسلامية قبل عقود من الزمن. فلابد من أن يلفت المبلغ الديني أنظار الناس إلى هذه الحقيقة التي من شأنها أن تسهم في خلق حالة من الوعي لديهم.
4- ضرورة بيان وجوب حاكمية الإسلام وإظهار محاسنه: إن القوانين الإسلامية قوانين جامعة تهدف إلى بناء حياة طيبة، وعند إمعان النظر في طبيعة هذه القوانين نجد أن ضمان تنفيذها متوقف على قيام حكومة إسلامية محمدية، يقول الإمام الخميني (قدس سره): “عند إمعان النظر في ماهية أحكام الشرع وكيفيتها يثبت لدينا أن إجراءها والعمل بها يستلزم تشكيل حكومة، وأنه لا يمكن العمل بوظيفة إجراء الأحكام الإلهية من دون تأسيس جهاز عظيم للتنفيذ والإدارة”، لذلك عمل الإمام الخميني (قدس سره) من خلال ثورته المباركة في إيران على تطبيق أحكام الإسلام بعد طرحه نظرية ولاية الفقيه للتطبيق الكامل. لذا على المبلغ الديني أن يوضح مفهوم ولاية الفقيه في أذهان الناس ويرسخه في نفوسهم، خصوصاً أننا نواجه أصواتاً علمانية ليبرالية تدعو إلى فصل الدين عن السياسة على اعتبار أن الدين الإسلامي دين قاصر لا علاقة له بالسياسة كما تدّعي، وهذا خلاف الواقع، أما وجود بعض الجهات المدّعية لتطبيق الإسلام في حركاتها السياسية والإدارية مع بعدها الواضح عن أصالة الإسلام، فلا يعني فشل النظرية الإسلامية الرسمية في الحكم والإدارة والتنمية.
5- ضرورة التركيز على التحلي بالأخلاق الإسلامية: لقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “إنّما بُعُثتُ لأتمم مكارَم الأخلاق”. فمن أهداف البعثة النبوية إتمام بث الأخلاق الحسنة في شخصية الإنسان المسلم لما لها من دور كبير في بناء مجتمع إسلامي متماسك، لذلك أكدت الآيات الكريمة والروايات الشريفة هذا الركن المهم من الأركان الإسلامية، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ -الشّمس:9_10-، وجاء في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، انه قال: “لَو كُنّا لا نَرجو جنّةً ولا ناراً ولا ثواباً ولا عِقاباً، لكان يَنبغي لَنا أن نُطالِبَ بِمكارمِ الأخلاقِ فإنّها ممّا تَدُلُّ على سبيلِ النجاحِ”.. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى ترسيخ المفاهيم الأخلاقية في نفوس الناس، خصوصاً أن الإعلام الغربي يحاول جاهداً أن يجرّدها عن شخصية الفرد المسلم، لذلك على المبلغ الديني أن يوضح هذه المفاهيم ويبين دورها الكبير في ازدهار المجتمع الإسلامي، والتي من دونها سيتجه المجتمع نحو الهاوية وكما قال الشاعر:
وإنما الأمم الأخلاق ما بَقيتْ
فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا
6- ضرورة الدعوة إلى إصلاح حال المرأة والالتزام بحجابها: إن المرأة عنصر أساسي في المجتمع ولبنة أساسية من لبناته، فوجود المجتمع وبقائه متوقف على المرأة، بل وان رقي المجتمع وصلاحه متوقف على صلاحها ثقافياً وسلوكياً، ويمكن أن يقال عنها أنها إن صلحت صلح ما سواها، وإن فسدت فسد ما سواها. نتيجة لهذا الدور الكبير للمرأة حرفت القوى الغربية المرأة من كونها وسيلة للبناء إلى كونها وسيلة من وسائل الهدم، من خلال جعل جل اهتماماتها منصباً على أمور ثانوية كالمظهر والزينة بل وعلى أمور تحرف المجتمع عن جادة الصواب كالخلاعة والسفور، وقد صدّرت القوى الغربية هذه الثقافة إلى بلادنا الإسلامية، وقد نجحت – نوعا ما- في تحقيق مأربها الخبيثة، لذا على المبلغ الديني أن يصحح هذا الخطأ، وان يبين الدور الحقيقي للمرأة في المجتمع، وان يوضح أهمية الحجاب وفلسفته وحدوده ودوره في الحفاظ على المجتمع الإسلامي من الانحراف.




