ثقافية

الثورة والتمرد والصعلكة عند عروة بن الورد وروبن هود وابن عبدكة

lk;;'[p

عبد الكريم ابراهيم

الانسان بطبيعته لا يولد مجرما خارجا على القانون، ولكن الظروف هي التي تدفعه لسلوك منحى يخالف العادات والتقاليد والدولة، ويحاول ان يجد مبررات شرعية لهذا التصرف، كأن تكون من باب تحقيق العدالة الاجتماعية في منظور يتخذ من السلوك العسكري وسيلة لبلوغ غايته، لذا نجد التاريخ الانساني يضج بشخصيات تعدّ نفسها ثائرة في وجه التمييز الطبقي والاجتماعي، وتنهج سلوكا موحداً وان اختلف الزمان والمكان، وتجمعها قواسم مشتركة وسمات واحدة، ولعل ابرز تلك القواسم هي:
ـ تشكيل مجاميع مسلحة تقوم بكسب المال بالقوة العسكرية، وان اختلف المبرر وتعددت الاسباب وراء ذلك.
ـ المعاني السامية في سلوك تلك الشخصيات التي جعلها في نظر الاخرين المنقذة والساعية لتحقيق العدالة بانواعها.
ـ حالة التشرد بسبب المطاردةـ وحالة الكر والفر حتى آخر العمر.
ـ المهارة العالية والشجاعة الفائقة حتى اصبحت تلك الشخصيات مضرباً للامثال.
ـ العيش من اجل الآخرين ونكران الذات حتى يصل الامر الى الجود بالنفس.
هناك شخصيات يمكن ان تعد الاشهر في التاريخ التي سلكت هذا السلوك، برغم الفواصل الزمانية والمكانية، لكن تجمعها هموم مشتركة وهدف واحد، ولعل عروة بن الورد وابن عبدكة وروبن هود هي الشخصيات الاكثر جدلا على وجه التاريخ الانساني من جميع النواحي. وقد تناولتها الكتب بنوع من القسوة احيانا وبنوع من التعاطف، مما يجعل صعوبة الحصول على مصادر مؤكدة عن طبيعة تلك الشخصيات والمؤثرات التي دفعتها الى ان تكون في قمة السرد القصصي، وحيكت حولها اساطير وحكايات اشبه ما تكون بالخرافية. ولعل الادب الشعبي لعب دوراً في هذا التوسع الديناميكي، وفي تنامي هذه الشخصيات وتحبيبها الى قلوب الناس.
وما يمكن القول عن سلوك هذه الشخصيات، فالبعض يتعاطف معها فيعدها ثورة، في حين يراها البعض الاخر تمرداً من اجل الحصول على المكاسب المادية، وآخرون يعدّونها من اعمال الصعلكة وقطع الطريق، وربما تجمع هذه الشخصيات كل هذه المسيمات حيث لا يمكن تنزيه اي عمل مهما كانت دوافعه وغاياته عندما يتخذ منحى القوة العسكرية. الانسان لايقطع طريقا الا اذا كان جائعا ولا يثور الا عندما يشعر بالظلم، وهكذا هي ردود الافعال تجاه شيء ما، واحيانا هناك مبالغة في تصوير هذه الشخصيات بفعل العمل الحكائي الشعبي غير المدون، والذي غايته امتاع الناس واضافة بعض اللمسات التي تزيد من الاثارة، مما يجعل بعض افعال تلك الشخصيات تقترب من الاسطورة الخالدة في اذهان الطبقات الشعبية والتي تبحث عن بطولة تعيش فيها وتحقق بعض الرغبات الكامنة، لذا نالت تعاطف الناس برغم بعض السلبيات التي تعترض طريق التعامل مع تحقيق العدالة.
الشخصية الاولى عاشت في عصر القبلية المتطرفة قبل الاسلام بقليل حيث صراع من اجل لقمة العيش وغزو وثارات قديمة وجديدة وكرم ومروءة وشجاعة، انها حياة البادية، كرّ وفرّ وصراع والبقاء للاقوى مع عادات وتقاليد صارمة تنبذ الذي يخرج عنها، لذا ظهرت الصعلكة كنوع من رد الفعل على تلك الاعراف وحاولت خرقها عبر اقامة كيان خاص يلبي حاجاتها الضائعة ويحقق غاياتها المفقودة فكان عروة بن الورد حامل لواء الصعاليك واميرهم المطلق بالرغم من انه من قبيلة عبس العربية العريقة الا انه كان ناقما على نسب امه التي كانت من قضاعة وهي قبيلة وضيعة كما يقول:
وما بي من عار اخال علمته
سوى ان اخوالي اذا نسبوا نهد
ونهد بطن من قضاعة, ولكن هذا ليس مبررا قويا لشخصية شجاعة ومعروفة في اوساط العرب ان تسلك درب الصعلكة، ولكنه الايمان بعدالة قضيته هي التي دفعته لهذا الامر، حتى قالت العرب عنه “من زعم ان حاتما اسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد”. ولعل اروع ما قاله في الجود والكرم ونكران الذات ابياته المشهورة:
أفرق جسمي في جسوم كثيرة
واحسو قراح الماء والماء بارد
وبرغم النهاية المأساوية التي كانت امرا متوقعا لمثله بفعل الغارات والغزو فانه ترك اثرا خالدا تذكره الاجيال.
وفي الجانب الاخر من العالم وعند الجزر البريطانية ولدت شخصية اخرى متمردة يلفها بعض الغموض بسبب قلة المصادر واختلاطها على الكَتاب انها شخصية “روبن هود” التي يبدو انها عاشت في القرون الوسطى، وبالذات بعد فشل الحملة الصليبية على الشرق الاوسط، حيث يتردد اسم الملك ريشارد قلب الاسد مع روبن هود. عرف عن هذا الانكليزي بمهارته في رمي السهام وتشيكل مجموعة قوية عرفت باسم “الرجال الاحرار” مكونة من (140) شخصا معظمهم من ابناء الطبقة المتوسطة في غابة (شيروود) في مدينة (نوتنغا شاير) بالقرب من نوتينغهام، وكانت مهمة روبن هود مساعدة الفقراء من خلال اخذ من اموال الاغنياء، وهو ما جعله مقرباً من المحرومين والفقراء.
نالت هذه الشخصية الكثير من الاهتمام عبر حزمة من الافلام والمسلسلات، حتى ان افلام الرسوم المتحركة تناولت هذه الشخصية بنوع من الشجاعة والفخر، وهي تتحدى الظلم والطغيان محاولة تطبيق العدالة الاجتماعية حسب مفهومها.
وفي العراق، ومع بداية نهاية الدولة العثمانية، وبالتحديد في منطقة بعقوبة، ظهرت شخصية فريدة تحمل صفات الصعلكة والشجاعة والكرم والثورة والشهامة، انه “ابراهيم بن عبدكة” الذي دفعته ظروف الثأر للتمرد على الدولة العثمانية في ذلك الوقت ومحاولته ايجاد نوع من العدالة عبر مفهومه الخاص. وقد قاده هذا الامر الى التنقل بين بغداد وديالى والحلة.
وبعد قيام الحكم الوطني عام 1921 تم القاء القبض عليه وحكم بالاعدام، ولكن وساطة بعض الاعيان ومنهم (مسز بيل) الشخصية النسائية ذات التاثير في بدايات القرن العشرين، إذ شاءت الظروف ان يهاجم ابن عبدكة القطار الذي كان يقلها، وعندما عرفها اكرمها واطلق سراحها، ما جعلها تسعى الى تخفيف الحكم عليه. فحكم بالمؤبد، واطلق سراحه عام 1934، وعين حارسا في آثار بابل، ليقتل عام 1952 على يد نجم الزهو الغزاوي الذي كان يلاحقه ثأراً لابيه الذي قتله عندما كان في بعقوبة.
عرف ابن عبدكة بالشجاعة والكرم حتى وهو في السجن، لذا نال احترام السجناء والمشرفين على السجن، واصبح حتى اليوم مضرباً للمثل في الشجاعة والشقاوة. وبرغم اختلاف المكان والزمان والدوافع فان هذه الشخصيات يجمعها جامع مشترك انها اصبحت قصصاً شعبية تتناولها الاجيال بنوع من الاهتمام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى