اخر الأخبار

بغداد تشرب دمها..!

بغداد مدينة لا تشبه بقية مدن الأرض، هي ليست أجمل المدن، كما أنها ليست أفضلها عمرانا، ولا أرقها مناخا، ولا أسعدها شعبا، لكنها تبقى الأكثر تميزا، بين مدن الأرض!
بغداد ومن لحظة بنائها على يد الدوانيقي، كانت تقول إنها لم تبنَ لتكون مدينة، بل بنيت لأن تكون شيئا آخر!
ما الذي أبهج الشاعر علي الجارم، فدفعه لأن يكتب فيها قصيدته: “يا بنت دجلة قد ظمئت لرشف مبسمك البرود، يا بهجة الصحراء ردي بهجة الدنيا وزيدي”..!؟
يبدو أن الجارم شأنه شأن مستشرقي زمننا هذا، كان مأخوذا بقصص ألف ليلة وليلة، ذلك المزيج الرقيق بين الخيال والواقع..أو هو كان قد سمع، أنها “منارة المجد التليد”، حيث حكايات خلف الأبواب، تنداح مزدانة بقناديل تسرج ليلا، لترقص على لهبها المتراقص القيان على نغمات عود زرياب، أو تراه كان ذواقة لأشعار المجون، واللهو والخمريات النواسية! ولربما كان مأخوذا بحكامها وقادتها ،وهم يعتمرون العمائم الموشاة بالفضة والذهب؛ ويلبسون التيجان.
يقينا أن هيبة الخلافة ووقار السلطان، تمثلت أمامه وهو يعيد كتابة قصيدته مرة بعد أخرى، حتى يستقيم الوزن، ويرضى عنها سلفه المتنبي في قبره، وهو القائل:(على قدر أهل العزم تأتي العزائم)..كل هذا كان حاضرا في ذهن علي الجارم، وهو يكتب قصيدته التي صارت أشهر قصيدة قيلت في بغداد.
لكنه وسواه من مداحي مدن السلاطين، الذين ما مدحوها إلا لأن فيها سلاطين ، ما كان له أن يستحضر انين بغداد تحت سياط جلاديها، وكيف له ذلك وقد ملأت صرر الذهب فمه، أوَ كان قمينا بمثله أن يكتب عن سيول الدماء التي سقت أسس مباني بغداد، من زمن بانيها الى يومنا هذا!
يقينا لا..
بغداد اليوم تشرب دمها، مستعيدة أمجاد دماء بناتها الحقيقيين، الذين دفنت جماجمهم؛ تحت أسس قصور سلاطينها الأولين والآخرين، وستبقى تكفر عن ذنبها، لأنها ليست مدينة الدوانيقي ومن تلاه من السلاطين، بل لأنها مدينة كاظم الغيظ، ذلك الراهب العلوي، الذي أهمل ذكره صاحب قصيدة “بهجة الدنيا.
علي الجارم شاعر سلاطين، لا يعرف شيئا عن دماء بغداد، لكنه كان يعرف الكثير عن خمورها، وإلا لكان قال شيئا عن “محنة” بغداد، بدلاً عن “بهجة” بغداد.
كلام قبل السلام: الطيور تأكل النمل ، وإذا ماتت فإن النمل يأكلها ..!
سلام..

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى