اخر الأخباراوراق المراقب

الاعتكاف.. فضله في شهر رمضان وحكمته

إنّ من حكمة الله سبحانه وتعالى، أن شرّع لنا ما يجعلنا دوماً في طريق الحقّ والصواب، وطريق الخير والفلاح، أكان على صعيد ديننا أم دنيانا.

محطة لاستعادة النشاط المعنوي

ولأنّ الإنسان قد يغرق في متعلّقات هذه الدنيا الزائلة والفانية، حتّى يصبح قلبه بعد حين غافلاً عن ذكر الله عزّ وجلّ، فإنّه يحتاج في ذلك إلى ما يدفعه للارتباط بالله أكثر، ويحتاج إلى ما يعيد تلك اللحمة التي ينبغي أن تكون بين الإنسان وربّه، من حيث التفكّر والتوجّه القلبيّ.

ولهذا، فإنّ هناك العديد من الأعمال والعبادات التي تضمن ذلك للإنسان، كالصلاة والصيام والحجّ وغيرها العديد من العبادات.

ومن تلك العبادات والأعمال هو الاعتكاف، الذي شرّع في أساسه ليسترجع الإنسان نشاطه الروحيّ والمعنويّ، حيث يقضي أيّاماً ضمن شروط وأحكاماً محدّدة، يعيش فيها حالة من التفكّر بالله تعالى، منقطعاً فيها عن متعلّقات الدنيا وانشغالاتها، وهذا ما دأب عليه الرسول الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، كما سوف يتبيّن إن شاء الله.

وقد عُرّف الاعتكاف لغةً بأنّه الإقامة على الشّيء في المكان، أمّا في المصطلح الشرعيّ فهو المكث أو اللبث في المسجد بقصد التعبّد فيه للّه وحده عزّ وجلّ.

فضل الاعتكاف

ورد العديد من الأحاديث الشريفة ما يدلّ على فضل الاعتكاف وأهمّيّته، منها:

1.  عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان يعدل حجّتين وعمرتين”.

2.  وعنه (صلى الله عليه وآله) كذلك: “اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجّتين وعمرتين”.

3.  وقد ورد في سيرته (صلى الله عليه وآله) أنّه عمل بهذه السنّة وداوم عليها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): “كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إذا دخل العشر الأواخر، ضُربت له قبّة شعر”.

4.  بل ونجد حرصه (صلى الله عليه وآله) بعدم فوات هذا العمل، وإن فات عنه فإنّه يعمد إلى قضائه، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): «كانت بدر في رمضان، فلم يعتكف النبيّ (صلى الله عليه وآله) فلمّا كان من قابل، اعتكف عشرين يوماً من رمضان، عشراً لعامهِ، وعشراً قضاءً لما فاته.

5.  وممّا جاء في اعتكافه (صلى الله عليه وآله)، أنّه قام أوّل ليلة من العشر الأواخر من شهر رمضان، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، قد كفاكم اللّه عدوّكم من الجنّ والإنس، ووعدكم الإجابة، فقال: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ ألا وقد وكّل اللّه تعالى بكلّ شيطان مريد، سبعة أملاك، فليس بمحلول حتّى ينقضيَ شهركم هذا. ألا وأبواب السماء مفتّحة من أوّل ليلة منه إلى آخر ليلة منه، ألا والدعاء فيه مقبول»، ثمّ شمَّر (صلى الله عليه وآله) وشدَّ مئزره، وبرز من بيته واعتكفهنّ، وأحيا الليل كلّه وكان يغتسل كلّ ليلة بين العشاءين.

أفضل أوقات الاعتكاف

يصحّ الاعتكاف في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم، وأفضله شهر رمضان المبارك، وأفضله العشر الأواخر منه كما جاء في السُنّة المباركة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

شروط الاعتكاف

ولا بدّ أن نذكر الشروط التي ذكرها الفقهاء في صحّة الاعتكاف، وها إنّنا نذكرها هنا باختصار:

الأوّل: العقل.

فلا يصحّ من المجنون، ولا من السكران وأمثالهما، وإنّ البلوغ في الاعتكاف ليس شرطاً في صحّته، فلو اعتكف الصبيّ المميّز صحّ منه.

الثاني: النيّة.

ويعد فيها القربة والإخلاص كسائر العبادات الأخرى، ولا يعتبر فيها التلفّظ.

الثالث: الصوم.

فلا يصحّ الاعتكاف من دون الصوم، ويكفي في الصوم مطلقه، واجباً كان أم مندوباً، عن نفسه أم عن غيره.

الرابع: أن لا يقلّ عن ثلاثة أيّام متتالية.

أن لا يقلّ عن ثلاثة أيّام بلياليها المتوسّطة، ويجوز أزيد من ذلك، إذ لا حدّ لأكثره. نعم، القاعدة هي: وجوب ثالث لكلّ يومين، فإذا اعتكف يومين وجب الثالث، ولا إشكال في أن يزيد على الثلاثة أيّام (حتّى لو يوماً واحداً أو ليلةً واحدة)، وليس له حدٌّ معيّن، لكن بعد كلّ يومين يجب اعتكاف اليوم الثالث. وتُحتَسب أيّام الاعتكاف الثلاثة من طلوع فجر اليوم الأوّل إلى المغرب من اليوم الثالث.

الخامس: الحضور في مسجد واحد.

الاعتكاف في أحد المساجد الأربعة (المسجد الحرام، ومسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة) أكثر فضيلةً، ولكن يجوز الاعتكاف في كلّ مسجدٍ جامع. أمّا المساجد غير الجامعة التي تُقام فيها الجماعة، ولها إمام عادل، فيصحّ فيها الاعتكاف أيضاً بقصد الرجاء.

السادس: الإذن.

يعتبر في صحّة الاعتكاف إذن من يعتبر إذنه بالنسبة إلى المعتكف، وهم:

1.  الزوجة، تحتاج إلى إذن زوجها إذا كان الاعتكاف منافياً لحقّه على الأحوط وجوباً.

2.  الولد، يحتاج إلى إذن والديه إذا كان اعتكافه مستلزماً لإيذائهما.

السابع: استدامة اللبث في المسجد.

فلو خرج اختياراً من دون سبب مجوّز للخروج بطل اعتكافه، بلا فرق بين العالم بالحكم والجاهل به، وإذا خرج من المسجد ناسياً أو مكرهاً أو لأمرٍ ضروريٍّ عقلاً أو عرفاً أو شرعاً، سواء أكان واجباً أم مستحبّاً، دنيويّاً أم أخرويّاً، لا يبطل اعتكافه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى