إيران والمشـروع الحضـاري الإسلامـي البديـل

وفي هذا الصدد نستطيع القول، أن ما تطمح إليه الشعوب العربية لا علاقة له بما تروّج له نخبها من مشاريع قديمة متجددة غير قابلة للحياة، تأكد هذا خلال الانتخابات التي جرت عقب انتفاضات الشعوب في تونس والمغرب ومصر على سبيل المثال لا الحصر، حيث ذهبت غالبية الأصوات في الإنتخابات التشريعية إلى الإسلاميين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تجذر العقيدة الدينية في النفوس، وتطلع الشعوب إلى حكم إسلامي يكون بديلا عن نماذج الدكتاتوريات العسكرية والبوليسية والعلمانية التي لم تقدم للمواطن العربي أنموذج حكم رشيد وعادل يضمن للمواطن الحق في الحرية ويؤمن له العدالة الاجتماعية ويصون كرامته الإنسانية، وهذا هو الشعار المشترك الذي رفعته الشعوب العربية الغاضبة خلال ما عرف بالربيع العربي «أي حرية، كرامة، عدالة اجتماعية», ومرة أخرى، نكتشف أن الغرب الإستعماري هو الأكثر معرفة بواقعنا السياسي والإجتماعي والإقتصادي من بعض نخبنا التي لا تزال تعيش في أبراجها العالية منعزلة عن الواقع ومنقطعة عن مسار التحولات الكبرى التي يعرفها العالم والإقليم اليوم.. بدليل أنها مازالت تروج لمشاريع لم يعد لها من مكان في حياة الناس كمشروع «القومية العربية» مثلا، حتى لو أضيفت له كلمة «مقاوم» ليتحول إلى «مشروع عربي وحدوي مقاوم».. لأن الشعوب العربية انفجرت وانقسمت إلى أعراق وطوائف ومذاهب، كما أن التيارات التقدمية من أحزاب سياسية ونخب ثقافية تخلت منذ زمان عن المقاومة، وأصبح الجميع في الصراع على كعكة السلطة سواء، ولم تعد من مقاومات في الساحات العربية غير المقاومات الإسلامية الشريفة المنظمة والمدعومة من إيران، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.
ركوب أمريكا والغرب الأطلسي تيار الإسلام السياسي «الإخواني ومشتقاته» لسرقة ثورات الشعوب، كان خطأ كارثيا دفع ثمنه تيار الإسلام السياسي الذي راهن على قوى الشر الإمبريالية والصهيونية لإستلام السلطة كمرحلة أولى في إطار مشروع «إسلاموي» تتزعمه تركيا لتحول الإسلام المحمدي إلى إسلام أطلسي علماني مستسلم لأمريكا ومهادن لإسرائيل على النمط التركي، وفشل المشروع لم يصب في مصلحة الشعوب العربية بقدر ما أعطى أنموذج الحكم الدهري الإستبدادي الفاسد القائم في منطقتنا متنفسا وفسحة في ظل الفراغ.
ويقول الكاتب «توماس فريدمان» بسخرية في إحدى خلاصاته: «أن الحكومات الإستبدادية العربية لن تبحث عن العقول والطاقات المحلية طالما أنها قادرة على حفر الآبار واستخدام الإيرادات النفطية لشراء الولاءات ومنع الشعوب من المشاركة السياسية في السلطة بأي ثمن».
وما نشهده اليوم من فتن وصراعات وفوضى، هو نتيجة هذه الحقيقة التي أشار إليها توماس فريدمان، حيث سيؤدي الأمر في النهاية إلى انفجار المجتمعات وانقسام الشعوب إلى إثنيات وطوائف ومذاهب بسبب الظلم القائم والفساد السائد والخوف الذي عمّ القلوب فراحت الناس تبحث عن الأمن والحماية في معتقل الطائفة وسجن المذهب، خصوصا في ظل انعدام الرؤية وفقدان البوصلة، وهذا هو ما نشهد بعضا من تجلياته اليوم في عالمنا العربي، في غياب قيادة ربانية تنقد الأمة من واقعها الرديء ومصيرها المظلم القاتم، وهذا أمر بيد الله تعالى كما يؤكد ابن خلدون، وبالتالي، فمصيرنا أن ندفع ثمن خنوعنا وتقاعسنا وقبولنا بالظلم والذل والإهانة إلى أن نستفيق من غفوتنا ونصلح أنفسنا وننتفض لنغير واقعنا.
أي هدف تسعى إيران لتحقيقه من هذا المشروع؟.
لنتحدث بصراحة ونقول..إذا كان الهدف من المشروع الحضاري الإسلامي البديل الذي تشتغل عليه إيران اليوم، هو بلورة رؤية حضارية من منطلق الفكر الشيعي الجعفري، فسنكون أمام مشروع مذهبي يعلن انتصاره على بقية المذاهب، لما يمثله من أنموذج إديولوجي ثوري ناجح وقابل للتطور والانتشار وبالتالي، سيكون الهدف النهائي من هكذا مشروع هو السعي للتأثير على جيل الشباب الإيراني من خلال التوعية والتربية والتثقيف لبناء أمة إيرانية متماسكة بعقيدة إيديولوجية راسخة، ومحاولة التأثير في جيل الشباب العربي لتبني هذا الأنموذج بوصفه يمثل الإسلام المرجعي وفق ظروف الزمان الحالي، لنجاحه في التوفيق بين الجانب النظري والجانب التطبيقي للإسلام من المنظور الشيعي، وهو ما فشل في تحقيقه الإسلام السني بمذاهبه المتعددة فشلا ذريعا وهذا من حق إيران.
لكن السؤال المنهجي الذي قد يتبادر لذهن بعض المثقفين العرب في هذا الإطار هو:هل هذا الأنموذج، أو النسخة الجديدة من الإسلام الإيراني إن صح التعبير، يمكن أن تكون كاملة وشاملة، بحيث تستطيع التوفيق بين ما قد يطرحه المشروع من أسس ومبادئ وثوابت انطلاقا من العقيدة الجعفرية الإمامية، مع مراعاة الأبعاد الثقافية والتاريخية والعلمية والجغرافية والطائفية والطاقات الطبيعية والبشرية التي تتوفر عليها إيران كدولة إسلامية..مقارنة بالخطاب القرآني الجامع الذي حدد مفهوم الأمة بشكل لا لبس فيه، بحيث لا يحتمل الأمر تجزئة الإسلام إلى إسلام شيعي وإسلام سني وإسلام صوفي، أو إسلام إيراني وإسلام باكستاني وإسلام مصري وإسلام سعودي وإسلام مغاربي وإسلام أندونيسي وإسلام غربي وما إلى ذلك من نماذج إسلامية شتى… تختلف باختلاف المواقع الجغرافية وتكوين المجتمعات وطبيعة الأنظمة السياسة القائمة ؟..
أصحاب هذه المقولة ينطلقون من رؤية طوباوية تكونت في مخيلة الشعوب عن مفهوم «الأمة الإسلامية»، لإعتقاد العديد من المثاليين الذين، أن الأساس الذي يجب أن ينطلق منه أي مشروع من هذا القبيل هو القرآن الكريم، لأنه كتاب جامع شامل كامل ومكتمل لكل الرسالات السماوية السابقة والشرائع والسنن في الكون والخلق، فيه بيان كل شيئ ولم يفرط في شيء وحيث أن الله تعالى في كتابه المجيد عرّف نفسه بأنه رب العالمين جميعا لا المسلمين فحسب، وحيث أنه بعث برسوله الأمين رحمة للعالمين جميعا وليس للعرب فقط، وحيث أنه أوضح بجلاء أن هناك دينين لا غير، دين المؤمنين ودين الكافرين، وأكّد أن دينه الذي ارتضاه لعباده هو الإسلام من محمد هبوطا إلى نوح صعودا مرورا بكل الرسل والأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه.. فإن أي مشروع إسلامي جامع لا يأخذ بالإعتبار هذه الأسس القرآنية الراسخة لا يمكن أن يمثل الإسلام بمفهومه القرآني وفق زعمهم، وسيكون مجرد نسخة مجتزأة عن الإسلام الصحيح الجامع الذي جاء الرسول محمد “صلى الله عليه وآله” ليكمله للناس، ولم يأتي بدين جديد وما كان بدعة من الرسل كما يقول تعالى.
هذه الأطروحة المثالية كما سميناها، لها وجاهتها من الناحية النظرية، لكن من حيث التطبيق العملي هناك معوقات وصعوبات جمة لا يمكن تجاوزها بالسهولة التي يفترضها أصحاب هذا الطرح – وأنا كنت واحدا منهم قبل أن أدرك الحقيقة وأغير رأيي – لأن ما يغيب عنهم في حقيقة الأمر، هو أن الوحدة التي حث عليها القرآن هي وحدة العقيدة لناحية التوحيد والإيمان بالثوابت والمبادئ والأسس الجامعة المشتركة، لا وحدة الفهم والمعرفة.. لماذا؟ لأن القرآن بما أنه وحي إلهي فهو نص مفتوح صالح لكل زمان ومكان ويستحيل بالتالي شرحه سواء بالتفسير أو التأويل لتوحيد المعاني، وإلا لتحول إلى نص مُقفل، فيأخذ بذلك الطابع التاريخاني ويفقد جوهره الذي هو الإعجاز الذي يتمثل في النص والمضمون معا، وهو ما يتعارض مع قوله تعالى: «لا تحرّك به لسانك لتعجل به إنّ علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إنّ علينا بيانه»، وبالتالي فمن تولّى بيان معانيه الكامنة في كيمياء كلماته هو الله تعالى شخصيا من خلال نور الوحي، لأنه يوحي لمن يشاء من عباده في كل وقت وحين، أو بمعنى آخر، القرآن نص صامت، لكن بمجرد البدء بتلاوته تذب فيه الحياة فيتحول إلى نور ينفذ إلى العقل ويستقر في القلب..




