زكريا.. عيد بغدادي موروث بجذور دينية

عمار يوسف
ضمن التقاليد والعادات العراقية الدينية القديمة التي كانت وما زالت قائمة إلى يومنا هذا ويحتفل فيها كلّ العراقيين بمختلف انتماءاتهم وأطيافهم ومكوناتهم عيد النبي زكريا (ع)، الذي يوافق أول يوم أحد من شهر شعبان الهجري ورغم اختلاف وطريقة وعادة الاحتفال بين العراقيين بحسب موروثهم الاجتماعي والقومي لكنهم يؤدون طقوس هذا العيد المتوارث.
ويُعد صوم زكريا، صوماً خاصاً بالنساء وذلك بان تمسك المرأة نفسها عن الأكل والشرب وكلّ ما يفسد الصوم من شروق الشمس إلى الغروب، وعند الغروب يجري احتفال شيق في كل بيت من بيوت المسلمين يجتمع فيه أهل الدار، فيمدون الموائد وعليها صنوف الأطعمة والأشربة، ويضعون بالجانب مائدة أخرى في وسطها صحن مملوء حناء محاط بأباريق و”تنك”، وهي الكوز بلسان أهل العراق، وتكون على عدد ما في البيت من الانفس. فيخصصون لكلّ ذكر أبريق ولكل انثى “تنكة” ويحيطونها بشموع ويضعون في أفواه الأباريق والتنك باقات زهور ويكللونها بورق الليمون والبرتقال والياسمين والياس، وعندما تغرب الشمس ويحين وقت الإفطار تجتمع العائلة على المائدة، وعندها يقرأ العارفون بأصول القراءة سورة من سور القرآن وتكون على الأغلب “مريم” وبعد ذلك يفطرون أولا على خبز من الشعير والماء وباقات من الكراث والكرفس وبعدها يتناولون ما يشتهون ويجري العامة على هذه العادة في الأحد الأول من شهر شعبان من كلّ سنة.
كما أن صوم زكريا في شهر شعبان من كلّ عام هجري يعدّ من أهم وأجمل المناسبات التي تحتفل بها العائلة أو المرأة العراقية ولا سيما اللاتي لم ينجبن أو العذراوات اللواتي يصبون الى أن يحقق الله أمانيهن بان يرزقهن بزوج صالح، فالتي لم تنجب ولم يرزقها الله بغلام تتولى إعداد صينية عامرة بالشكرات (خليط من الحلويات) و(الزردة) والحليب والكرفس والدولمة والخس والحلاوة والكراث والسمك والبرتقال والتفاح والنومي والنعناع والبيض المسلوق بنقيع قشور البصل الأحمر والكليجة وتتلألأ هذة الصينية بالشموع الصغار وشموع الكافور وأحيانا شمعة العروس الذهبية المزخرفة بالورد بعد تثبيتها بالطين بين أغصان الياس والبرتقال وخلال هذه المأكل الشهية والنيران الموقدة تنتصب (الاكواز والتنك) والأباريق الفخارية على عدد الأولاد.
وكانت بعض النساء تغالي في صوم هذا اليوم بان تنقطع عن الكلام أيضا ويسمى (صوم الخرسان) فتجد الصائمة لا تنبس ببنت شفة، وبعض الصائمات يتذوقن الرماد قبل تناول قطعة الخبز ليحصلن على ما يبتغين في أقرب وقت، أما بالنسبة للتي حصلت على مرادها فتجد دارها نيرة تماما والأطفال ينتقلون بين ارجائها ينتظرون الصينية المليئة بالمسقول وأصابع العروس وجعب الغزال ويجلس حولها الأطفال وهم يرددون (يا زكريا عودي عليه كل سنة وكل عام ننصب صينية).
أما الجذر الاجتماعي لهذا العيد فيضرب في أعماق هذا العيد البعيد حيث بلغ النبي زكريا (ع) الثانية والتسعين من العمر وبلغت زوجته السيدة ايشاع بنت فاقود الثامنة والتسعين على اشهر الروايات وبعد ان أدرك الوهن والضعف هذا العبد ناداه ربه نداءاً خفيا قال رب اجعل لي آية، فقد كانت امرأته عاقرا وحن الى من يرثه ثم استجاب الله دعوته، فكانت هذه المعجزة.




