هندسة النظام الإقليمي بعد طوفان الأقصى ومحدودية الدور الإسرائيلي

بقلم: وسام إسماعيل..
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية، أن تفرض رؤيتها لكيفية هندسة التوازن الإقليمي في المنطقة، إذ صاغت عملية السلام التي افتُتحت في مدريد بحسب التوجهات التي تفترض اعتبار الكيان الإسرائيلي، إحدى أهم الركائز التي لا يمكن الالتفاف عليها.
وإذا كانت الترتيبات التي تمت في تلك المرحلة قد تخطت مرحلة إقناع دول المنطقة بضرورة دمج الكيان الإسرائيلي في النظام الإقليمي أو الاعتراف به لتعمل على تأكيد تطابق التوجهات الأمريكية مع مثيلاتها الإسرائيلية، فقد أجمعت استراتيجيات الأمن القومي التي صاغها الرؤساء الأمريكيون على ضرورة التعاطي مع الكيان الإسرائيلي، إذ إنه الوحيد القادر على حماية المصالح الأمريكية في المنطقة، أي بما يجعله شريكاً استراتيجياً فاعلاً يتخطى في أهميته النوعية المعايير الكمية التي يمكن للدول العربية مجتمعة أن توفرها.
وإضافة إلى إمكانات اللوبي الصهيوني الانتخابية التي يمكن التدليل عليها من خلال تصريح الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمام عدد من السفراء الأمريكيين لدى بعض العواصم العربية، إذ قال، إن عليه أن يستجيب لمئات الآلاف من الناخبين الإسرائيليين الذين لا يتوفر مثل عددهم من العرب والمسلمين، استطاع الكيان الإسرائيلي أن يضمن دور الشريك المؤثر في صياغة هذه الاستراتيجيات من خلال إيحاء قادته أيضاً بتماثل المصالح والمرتكزات الأيديولوجية، إذ إن البعد الديني الذي ساد عند اليهود شكل نقطة تقاطع مع المتدينين الأمريكيين الأوائل لناحية أنهما يمثلان “شعب الله المختار”، إضافة إلى اعتبار دولتيهما هدفاً مشتركاً للإرهاب الذي تشكل منطقة الشرق الأوسط منطلقاً له، من دون أن ننسى بدعة معاداة السامية التي نجحت جماعات الضغط الصهيونية في تكريسها كمعيار حاكم لضرورات تعميق العلاقات بين الطرفين.
بالطبع، وكما في فترة الحرب الباردة، حين شكّل الكيان الإسرائيلي خط الدفاع الأول في وجه التمدد الشيوعي في الشرق الأوسط، استفاد الكيان الإسرائيلي من السياسات الأمريكية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ ساهمت سياسة الاحتواء المزدوج التي هدفت إلى احتواء الجمهورية الإسلامية والنظام البعثي العراقي، إضافة إلى خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن الذي تحدث عن ضرورة مواجهة ما سماه بمحور الشر، أي العراق والجمهورية الإسلامية وليبيا، في تكريس الرؤية الإسرائيلية التي تفترض محاصرة وإسقاط أي نظام قد يشكل تهديداً لهما، كإحدى المرتكزات التي لا يمكن للولايات المتحدة الخروج عليها، إذ إنها تشكل ترجمة عملية لمنطلقات المصالح الأمريكية في المنطقة، غير أن التغير الذي طال الاستراتيجية الأمريكية بعد وصول باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أرخى بظله الثقيل على الرؤى الإسرائيلية التي استشعرت خطراً على موقعها ربطاً بالانكفاء الأمريكي المفترض الذي تجلى من خلال تبني الولايات المتحدة مساراً يعتمد سياسة بسط النفوذ بالتوازي مع التخفيف من استخدام القوة المباشرة في المنطقة.
الكيان الإسرائيلي الذي مازال يقرأ الدور الأمريكي ربطاً بمعطيات الأحادية التي تعتمد على القوة الخشنة والمباشرة لم يجد في المشروع الأمريكي، الذي يسعى إلى تكريس اعتماد الحلفاء على الذات واعتماد الحوار كوسيلة للحفاظ على مكتسبات الأحادية، ما يضمن له تفوقه، إضافة إلى إمكانية تعريضه لخطر وجودي.
وبناء عليه، انعكست هذه الاستراتيجية على الداخل الإسرائيلي، إذ ارتفعت أسهم اليمين المتطرف الذي هيمن على الحياة السياسية تحت عناوين ضرورة الاعتماد على القوة الذاتية وإمكانية مواجهة لحظة تخلٍ أمريكية عن الدعم اللامحدود للكيان إذا ثبتت لدى صناع القرار الأمريكيين إمكانية تأثيره في التوجه الأمريكي الذي بدأ يلمس محدودية قدراته على مواجهة القوى الكبرى، أي الصين وروسيا.
وإذا كان بنيامين نتنياهو قد استبشر خيراً بوجود ترامب في الحكم، فإن عدم تمكن الأخير من الفوز بفترة رئاسية ثانية أعاد الكيان إلى دائرة القلق، إذ إن إدارة بايدن لم تُقرأ في الكيان إلا استكمالاً لمسار باراك أوباما؛ فمنذ وصوله إلى الحكم، تصاعدت انتقادات الإدارة الأمريكية لكيفية تعاطي نتنياهو والمستوطنين مع الفلسطينيين، إضافة إلى معارضة التعديلات القضائية التي تنسف أي إمكانية لطرح حل الدولتين من دون أن ننسى اختلاف وجهات نظر الطرفين حول كيفية التعاطي مع الجمهورية الإسلامية.
أما بعد طوفان الأقصى الذي أمكن لنتنياهو من خلاله التسويق لخطر وجودي يهدد الكيان، فلم يظهر السلوك الأمريكي أي تجاوب مع إمكانية الدفع إلى تدخل أمريكي مباشر يمكن أن يساعد في تعديل المسار الذي أعلنه بايدن في استراتيجيته للأمن القومي.
وبالتوازي مع العدوان الذي شنته الولايات المتحدة على العراق، أكّد بايدن أن الولايات المتحدة لا تريد التصعيد لكنها سترد على الهجمات التي تطالها، وأضاف بعد ذلك وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر، وأنه كما الرئيس لن يتسامح مع الهجمات على القوات الأمريكية وسيتخذ كل الإجراءات اللازمة للدفاع عن الولايات المتحدة وقواتها ومصالحها من دون أن يشيرا إلى أية إمكانية تعديل المسار الاستراتيجي الذي قررته الاستراتيجية آنفة الذكر.



