الامام السجاد عليه السلام والتحديات

لأجواء هذا الشهر المضيء بالولادات العظيمة، شهرُ شعبان، جمالٌ خاص يبعثُ في النفوس السعادة والأمل، ويملأ الصدور بأريج الإيمان والمحبة والتفاؤل، لهذه الأسباب تنتظر الناس المؤمنة هذا الشهر بلهفة كبيرة، حيث يولد فيه أقمار النبوّة والامتداد المنير للرسول صلى الله عليه وآله، ومن هذه الأقمار الإمام السجاد عليه السلام يولدُ في الخامس من شعبان.
إن سيرة الإمام السجاد عليه السلام حافلة بالتحديات، بسبب الظروف التي عاشها بعدما تكالب الأعداء على أهل البيت عليهم السلام، و كان الإمام السجاد يدرك هذه التحديات الكبيرة جيدا، فوضع الأهداف العظيمة ورسمها وبدأ بتنفيذها، وفي المقدمة منها النهوض بقضايا العلم ونشر الوعي بين المسلمين آنذاك، فهذه هي الحرب الحقيقية بين الحق والباطل.
الحق هو الإسلام الذي سار به الحكام الأمويون في مسارات الانحراف، وسعيهم لنشر الجهل بين المسلمين، لهذا تصدى الإمام السجاد عليه السلام لقضية نشر العلم في مقابل تحديات نشر الجهل، فالجهل هو أسلوب المستبدين، والتجهيل سلاح الحكام الظالمين، فوضع الإمام السجاد الخطط العلمية الكفيلة بمواجهة الجهل بقوة العلم والتعليم.
في كل عصر وحين، يحتاج الناس إلى من يستضيئون بعلمه ونوره وشخصيته النموذجية، وها هو الإمام السجاد عليه السلام، ينهض بهم عاليا، في جهود علمية غاية بالدقة، فراح يقدم لهم المحاضرات تلو المحاضرات، في مجالس متوالية، وكان الحذر من السلطات الجائرة موجودا ومحسوبا، فكانت السرية والعمل بحكمة وهدوء أمر لابد منه.
وبهذا أخذ الناس يتعلمون على يد الإمام السجاد، ويفهمون جيدا أهداف الطغاة، ويتعلمون الأحكام، وتُضاء عقولهم بعلوم الحرية والحقوق، من خلال الكتاب الخالد للإمام السجاد (الصحيفة السجادية)، فكانت هذه الصحيفة خير معين وسند للمسلمين وهم يعيشون في ظلمات الحكام الظالمين، وكان الإمامُ خيرَ نموذج يقتدي به المسلمون ويتشبثون بالأمل والخلاص من الجهل على يديه.
ومثلما أفاد السابقون من الموالين والمسلمين مما قدمه لهم الإمام السجاد عليه السلام، وساروا في هدايته واستمدوا منه العلم والمعرفة والوعي، لابد لنا أن نفعل نفس الشيء، فنحن اليوم على الرغم من أننا نعيش في عصر التكنولوجيا والعولمة والاكتشافات العلمية الهائلة، إلا أننا في نفس الوقت تحيط بنا الظلمات وتسعى لتجهيلنا.
الظلمات التي نقصدها، ليست المادية الصناعية، وإنما هناك ظلمات فكرية عقائدية يسعى من خلالها المنحرفون إلى التعتيم على الفكر والثقافة والوعي الإنساني الصحيح، وهكذا نلاحظ وجود صراعات من نوع آخر يتم شنها على المسلمين، وهي حرب التجهيل القديم الجديد، حيث يسعى الأعداء إلى تلويث العقول بالأفكار المادية الحسيّة المنحرفة.
لهذا يحتاج الناس، وبالأخص المسلمون منهم، إلى النموذج، القدوة، حتى يتمكنوا من رفع الحُجُب (المادية) المزيفة عن عيونهم، ولا تأخذهم الموجات (الجمعية القطيعية من القطيع)، فتسحبهم إلى المتاهة العالمية حيث يسير العالم نحو المادية المفلتة، لذا نحن نحتاج إلى النموذج، إلى المصباح، إلى الإمام حتى نقي عقولنا من متاهة الأفكار الدخيلة.



