اخر الأخبارثقافية

“مرايا متشظية” .. استلاب الإنسان وتهميشه في زمن العولمة

المراقب العراقي / القسم الثقافي…

يُعد القاص كريم جبار الناصري واحدا من كتاب القصة البارعين في هذا الجنس الادبي وقد أصدر عددا من المجاميع القصصية واهمها “مرايا متشظية” التي كتب عنها العديد من النقاد وهنا قراءة نقدية كتبها الناقد عقيل هاشم تنشرها “المراقب العراقي”.

لعل أي قراءة لقصص”مرايا متشظية” لا يتحقق الهدف منها دون أن يأخذ بعين الاعتبار مجمل هذا التراكم الحكائي، الذي حققه الكاتب من خلال فنية تناول مواضيعه وصاغها في قالب قصصي جميل ومؤثر بالرغم من قساوة حيوات شخصياته ، غير أن الدخول إلى عالم المجموعة القصصية، التي اختار الكاتب ان يعنونها بـ “المرايا المتشظية” ،نقرأ دلالة واضحة على الاستلاب والتهميش لإنسان هذا العصر في زمن العولمة.

 المتلقي لنصوص المجموعة، يشعر بلا محالة بالقدرة السردية للكاتب في التقاط تفاصيل الواقع من حوله بكل وجعه ، كي يخلق عالما قصصيا موازيا لعالم واقع بغداد مدينة السلام والجمال.

حيث يلاحظ القارئ أن القصص تم سردها بأسلوب عين الكاميرا تشتغل بأقصى ما يمكنها، لتلتقط كل صغيرة وكبيرة من أجل أن يؤثث بها الكاتب عالمه القصصي ليضفي على النصوص بذخا حسيا ملموسا، وفي ذلك كفاءة مشهودة للفعل القصصي عموما وهذا ما يحدث في نصوص هذه المجموعة، التي يشعر معها المتلقي وكأن الحدث قادم من عالم غارق بالمشاعر والأحاسيس، فتشعر بسهولة السرد القريب من النفس ،حيث تستعر الرغبة وتلقي غوايتها في نفس متلقية ، فقد وظف الكاتب الناصري لغة تتناسب إلى حد كبير وفنية جنس القصة القصيرة وجماليتها من جمل قصيرة مكثفة وايحائية مدهشة ، تتميز بطابعها التصويري الباذخ.

في سعيه الحثيث لتقديم قصصِه كمادةٍ سردية تستحق الاعجاب يتوخّى القاص كريم جبار الناصري أن يجعل متلقيه يتعامل مع نصوصه بحفاوة وهو يتنقل من نص لآخر لإدراكه أنَّ النص المنشور ما هو الّا رسالة بين مرسل أفشاها الى العلن فخرجت عن ملكيته ومستلم سيتلقاها لتكون ملكاً له توخى المرسل استقبالها بإعجاب أو على الأقل برضا.

وعنوان “مرايا متشظية” كمجموعة جاءت بهيأة قصص قصيرة جداً بين دفتي كتاب احتوى 77 صفحة من الحجم المتوسط جاء مرادفاً موضوعياً لأبطال نكتشفهم، ونحن ننتقل من بطل لآخر، منكسرين؛ بدواخلهم كالمرايا المهشمة.. إنَّهم يسعون للبوح لا لشيء إلا ليلفظوا جبال الرؤى المحتشدة في رؤوسهم، ويحرروا ارواحهم من هموم اللغة التي تتكشف في بوتقة كلِّ نص على صغر حجمه ووحدة موضوعه.

وإنْ طرقَ المتلقي باب نص” النظرة الأخيرة” فسيتفاعل مع الفنان التشكيلي الذي يتجلى مجده وحفاوته بنفسه بلوحات هي نصوص حياته التشكيلية وكبريائه الموزع على الالوان في تشكيلة تتماوج بين الألفة والتشظي تحمل زاوية كل منها عنواناً لنافذة من نوافذ حياته؛ هو الذي يتعكَّز الآن على ساقٍ ثالثة بعدما بلغ الثمانين وهو يبكي لمشاهدة هذه “النصوص”، “اللوحات”،” الأعوام” وقد تمزقت، وتهشمت، وتفتتت أُطرُها في مذبحة سرقة بغداد من قبل مَنْ لا يُقدِّر ثمنَ الارث، ولا يحتفي بتأريخ الآباء والأجداد. 

ويتبدّى الانكسار والتهشّم حتى في الحلم الذي يلتجئ اليه البطل في نص “ كُن حرّاً” ليهرب من الواقع الرمادي فإذا به  يقع في هوّة الخوف والرعب والتطيّر؛ اذ يرى نفسه في النوم وقد غدا حاكماً لابد ان يستمتع كما الحكام في الحكايات التي احتوت أجواء الف ليلة وليلة إلا انه ينصت في أوان يحدث له بأصوات ظنّها خارج قصره فاذا بها داخله. أصواتٌ لجموع اقتحمت وجوده جراء جوعِها وحرمانها هو الذي أحكمَ بقبضة من حديد على حياتهم فجوَّعهم واذلَّهم ولم يضع في حسبانه أنْ سيأتي اليوم الذي سيكسرون فيه قيدَ الخوف ويندفعون ثائرين على جبروته وقسوته ولامبالاته تجاههم فيحاول التنصّل والهرب من القصر فلا تنفعه جنود شطرنج اعتمد عليهم كحراس.

هكذا هم أغلب ابطال” مرايا متشظية” قدَّمهم القاص كريم جبار يعيشون التعثُّر في الحياة. فلا أمل يستندون عليه، ولا بارقة تنم عن نور في نهاية النفق يتقدمون اليه ليخرجهم الى سهوب التفاؤل. إنَّه الاستلاب والشعور بالضنك الذي يساورهم.. ومع ذلك لم يرتكن لليأس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى