اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام والنظام السياسي في الإسلام

الشيخ محمد توفيق المقداد..

ممّا لا شكّ فيه ولا ريب، أنّ الإمام الخميني (قده) قد نهض بالإسلام نهضةً قوية جداً، أثبت من خلالها قدرة هذا الدين العظيم على اختراق العصور والنفاذ إليها، بإدارة قضاياها العامة بشكلٍ خاص، وليلعب الإسلام دوراً مهماً ومؤثراً جداً في مجال السياسة الدولية، مقابل الإيديولوجيات والفلسفات الأخرى التي انبثقت عنها الأنظمة الحاكمة على الساحة الدولية.

وكان بروز الإسلام بهذه القوّة عن طريق الإمام الخميني (قده) عبر الانتصار على نظام الشاه، وإقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، مستنداً في ثورته تلك على فقه الإسلام السياسي من حيث النظرية، وطريقة التطبيق الواعي والمتناسب مع الواقع المعاصر، وليصبح الإسلام قبلة الشعوب الإسلامية بعد قرونٍ من تغييبه، ولتأخذ منه منطلقاً لتجديد حركة التحرّر من هيمنة القوى الاستكبارية.

ومنطلق النظام السياسي عند الإمام (قده) هو أنّ (سياستنا عين عبادتنا وعبادتنا عين سياستنا)، فليس في الإسلام فصلٌ بين الدين والسياسة، فالسياسة جزءٌ لا يتجزّأ من الدين، فضلاً عن أنّها جزءٌ من العبادة لله طبقاً لقوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

وطرح النظام السياسي من جانب الإمام الخميني (قده) لم يكن ناتجاً عن حركةٍ عفوية، بل عن دراسة معمّقة للنصوص الشرعية في القرآن والسّنة وكلام الأئمة (عليهم السلام)، والتي استنبط منها (قده) الركائز والأسس التي يقوم عليها (فكر الإسلام السياسي) على المستوى النظري، و(ممارسة الإسلام السياسي) على المستوى التطبيقي.

ومن خلال مراجعة التراث الغني الذي تركه الإمام الخميني (قده) في المجال السياسي، يمكن أن نحدّد عناصر النظام السياسي بما يلي من العناوين:

العنوان الأول – تحديد المرجعية السياسية للأمة: وهذا الخط هو الذي عبّر الإمام عنه من خلال نظرية (ولاية الفقيه العامة) التي تعني أنّ حاكمية ولي أمر المسلمين تشمل كلّ الوظائف التي كانت ثابتة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام المعصوم (عليه السلام) إلّا ما أخرجه دليل خاص، ولا تقتصر الولاية عنده على القضاء والإفتاء والأمور الحسبية فقط، وتعني الولاية عنده، أنّ الفقيه تمتد ولايته نظرياً وعملياً إلى كلّ الشؤون المرتبطة بحياة المجتمع الإسلامي ككل، فيعمل على حفظ مصالح المسلمين ويدفع المفاسد عنهم، وإن كان الفقيه على مستوى الصفات الشخصية مختلفاً عن شخصية المعصوم (عليه السلام) إلّا أنّ ذلك الاختلاف لا يؤدي إلى فارقٍ في الوظيفة تُجاه الأمة الإسلامية.

ونظرية (ولاية الفقيه) التي طرحها الإمام الخميني (قده) ليست بدعة أو فكرة بعيدة عن الإسلام، بل هي من صميم هذا الدين العظيم، ولذا يقول الإمام (قده): (الذين يقولون إنّه لا يوجد عندنا في الإسلام ولاية للفقيه، ليسوا مطّلعين ما داموا يقولون هذا، إنّ ولاية الفقيه هدية قد أعطاها الله تبارك وتعالى للمسلمين)، هذه الهدية لا وجود لها في أيّ دين أو عقيدة غير الإسلام، لأنّ بإمكانها كما هو المفروض لها في الفكر الإسلامي، أن تجمع كلّ المسلمين من كلّ القوميات واللغات والألوان بدون أيّة فوارق فيما بينهم، لأنّها الحاضن والحامي والمدافع عن قضاياهم وتعمل على حمايتهم من كلّ الأخطار طبقاً للمواصفات التي اشترط الإسلام توافرها فيمن يتولّى هذا المنصب الخطير، الذي هو رأس الهرم في تراتبية المسؤولين عن شؤون الأمة الإسلامية.

العنوان الثاني – (تشكيل الحكومة الإسلامية): إذ من الواضح أنّ الحكومة في أيّ مجتمعٍ هي ضرورة لا بدّ منها لإدارة شؤون الناس العامة، وولاية الفقيه تستدعي في الإسلام تشكيل هذه الحكومة، لأنّ الولاية لا تعمل في الفراغ، بل من خلال الحكومة التي تطبّق النظم الإسلامية في كلّ المجالات التي تهمّ الأمة الإسلامية بإدارة وإشراف نظارة الولي الفقيه أو المؤسسات التي يحدّدها للقيام بذلك، ولا يمكن لحياة أيّ مجتمع أن تستقيم وتستقرّ بدون وجود حكومة تحقّق الأمن والعدالة، وتوفّر الفرص للجميع حتى لا يأكل القوي الضعيف ويستقوي الظالم على المظلوم.

وقد استدلّ الإمام الخميني (قده) على ضرورة تشكيل الحكومة في الإسلام بثلاثة أدلة نذكرها باختصارٍ يناسب المقام:

إنّ أول حكومة قامت في الإسلام هي حكومة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مجتمع المدينة المنورة، والتي امتدّت سلطتها بعد فتح مكة إلى معظم أرجاء الجزيرة العربية واليمن.

الإطلاق الموجود في أحكام الإسلام والذي يعني ضرورة العمل بهذه الأحكام في كلّ الأزمنة وإلى قيام الساعة، سواءً في مجال العبادات أو المعاملات.

إنّ هناك نوعاً من الأحكام في الإسلام، لا يمكن تطبيقها والعمل بها، من دون وجود حكومة إسلامية كالأحكام والقوانين الجنائية والجزائية وقرارات الحرب والسلم والأحكام المالية المرتبطة بالموازنة العامة للدولة الإسلامية.

ويقول الإمام الخميني (قده) في هذا المجال: (… فالفقهاء العدول وحدهم هم الذين يقومون بتنفيذ أحكام الإسلام، وإقرار نظمه، وإقامة الحدود، وتنفيذ القصاص، وحراسة حدود الوطن الإسلامي وأراضيه، والخلاصة أنّ إجراء جميع القوانين ذات العلاقة بالحكومة هو في عهدة الفقهاء… فكما كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤولاً عن تطبيق الأحكام، وإقامة أنظمة الإسلام وقد جعله الله تعالى رئيساً وحاكماً للمسلمين، وأوجب عليهم طاعته، فالفقهاء العدول يجب أن يكونوا رؤساء وحكاماً، ومسؤولين عن تنفيذ الأحكام، وإقرار النظام الاجتماعي للإسلام).

العنوان الثالث – رفض التبعية: انطلاقا من التلازم بين ولاية الفقيه والحكومة في الإسلام، فهذا يعني أنّ الإسلام يرفض تبعية المسلمين، لأيّة جهةٍ خارجة عن إطار دينهم وعقيدتهم، لأنّ التبعية للآخرين تعني التخلّي عن الإسلام كفكر ورسالة، أو التخلّي عنه في المجال العملي والتطبيقي، وكلاهما لا ينسجمان مع النظرية الإسلامية المتكاملة، ولذا كان شعار الإمام الخميني (قده): (لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية)، وقال في هذا المجال: (إنّ واجبنا هو أن نقف في مواجهة المستكبرين ولدينا القدرة على ذلك بشرط أن يتخلّى المثقفون عن الشرق والغرب، وعن التشرّق والتغرّب، وأن يتبعوا الصراط المستقيم للإسلام والأمة، فنحن في صراعٍ مع الشيوعية بنفس المقدار الذي نكافح فيه ضدّ ناهبي العالم بزعامة أمريكا)، ويقول (قده) أيضاً: (إنّ سياستنا مبنية على أساس حفظ الحرية والاستقلال وحفظ مصالح الناس، ولن نضحّي بهذا الأصل من أجل أيّ شيء آخر).

من هنا كان يؤكد الإمام (قده) على نبذ التفرقة بين المسلمين، وكان يرى أنّ كلّ من يبثّ التفرقة بينهم هو إمّا عميل للقوى الاستكبارية أو متعصّب جاهل، لا يدري أنّه بعمله هذا يدمّر وحدة المسلمين ويحطّم آمالهم ويوهن عزائمهم، في مواجهة أعداء الأمّة كلّها، ولذا كان يقول (قده): (علينا نحن ـ السّنة والشيعة أن نتآخى فيما بيننا لنقطع الطريق على الساعين لنهب ما لدينا).

ولا شكّ أنّ وحدة الأمة الإسلامية وجعلها مرتكزاً من مرتكزات النظام السياسي في الإسلام قد استفاد منها الإمام (قده) من الآيات القرآنية الناهية للمسلمين عن الاختلاف والتفرقة كما في قوله تعالى: ﴿… وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ … ﴾، ثمّ يدعوهم في آيةٍ أخرى إلى الاعتصام بحبل الله فيقول عزّ وجلّ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا …﴾.

ومن هنا تميّز خطاب الإمام الخميني المقدّس إلى الشعب المسلم في إيران وإلى الأمة الإسلامية كلّها بأنّه كان تعبوياً بامتياز، وموجّها بامتياز، وشاملاً لكلّ شرائح الشعب والأمة ببساطته وقوّة بيانه ووضوح مطالبه وأهدافه، لأنّ الإمام (قده) كان يرى، أنّ تعبئة الجماهير من خلال فضح ممارسات الحكام الجائرين والظالمين، بالتزامن مع طرح البديل الصالح وهو (الإسلام المحمدي الأصيل) كفيل بإحداث تغيير في نظرة المسلمين إلى الانظمة والحكام، وهذا ما حصل في إيران حيث كان تركيز الإمام (قده) عليها، لأنّ الشعب المسلم هناك كان يتفاعل بكلّ فئاته مع خطابه (قده)، ولأنّ الإسلام يحتاج إلى قاعدة ينطلق منها إلى كلّ المسلمين الآخرين في العالم ومن ورائهم كلّ المستضعفين والمقهورين في العالم على أيدي القوى الاستكبارية في العالم وفي مقدمتها (الشيطان الأكبر) ـ أمريكا.

وقد تميّز خطاب الإمام التعبوي أيضاً، بالثقة بالجماهير المسلمة على إحداث التغيير، وكان يزرع فيها القوّة والعزيمة والإرادة الراسخة، لكي لا تنهزم أمام ظلم وجور الحكام الذين كانوا أشداءً على شعوبهم الإسلامية ومنهزمين أمام أمريكا وإسرائيل الكيان الغاصب للقدس وفلسطين، وكان خطاب الإمام التعبوي، يزرع الأمل بالمستقبل الواعد والسعيد في رحاب دين الله، ولذا كان يقول (قده): (إنّ نضالاتنا وطنية عقائدية والجهاد في سبيل الله والعقيدة لا يقبل الهزيمة ـ النصر أو الشهادة ـ وهو يعبئ كلّ أنحاء الوطن في اتجاهٍ واحد، ويزيح من أمامنا جميع المشكلات).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى