نظرة في حياة الإمام الخميني (قدس سره)

يخفى على الكثير من المؤمنين، الصفات الأخرى في حياة الإمام الخميني (قدس سره) في حين الشائع عنه انه قارع الاستكبار، وحارب الطغاة، واستطاع ان يؤسس لدولة العدل، وقول كلمة الحق، برغم المؤامرات التي واجهته.
النظر الى شخصية الإمام (قدس سره) من زاوية واحدة، يُنقص من تعرّفنا عليه الغالبية من الناس، يعرفون الإمام، من ناحية مقارعته للاستكبار فقط هذا، لا يعكس الحقيقة كلها ان لم نأخذ الزوايا الأخرى في شخصية سماحته، الى جانب الخواص الثورية، فانّ تحليلنا لشخصية ذلك الرجل العظيم، ناقص ويمكن ان يؤدي الى ردود سلبية، فبدل ان نُحبّب الامام (قدس سره)، نُنْقص من محبوبيته، كان الإمام الخميني، عارفاً، سالكاً، مفسراً للقرآن، فيلسوفاً واستاذاً للأخلاق حيث فجّر الثورة فقد كان سماحته، شاعراً ايضاً، مازالت بصماته على صفحة الشعر والشعراء، واضحة ملموسة، لها أثرها العميق، ولاسيما علاقته وروابطه بكبار شعراء البلاد، فهو القائد الذي كان شاعراً وما بذلته قريحته الرائعة، يتمثل في ديوان “شعر الإمام الخميني” الذي جُمعت فيه اشعاره، حيث كان لتلك الاشعار ولا يزال الاثر الواضح على شعر الثورة والمسار الادبي الثوري في البلاد، بشكل عام، وحوت أشعاره، مضامين شتى، كالحب، العرفان، العاطفة وما يتعلق بالمجتمع، وكان سماحته ينظر الى العالم، نظرة فقيه، عارف، تجلّت فيما قاله من الشعر، غلبت عليه النزعة العرفانية، وامتزجت بحياته البسيطة، المتواضعة، وزهده المعروف عنه، اضافة الى انه (قدس سره) كان يهدف الى مسائل وعوامل مهمة، للوصول اليها عن طريق الشعر.
أشار حجة الاسلام والمسلمين الشيخ علي كمساري، المساعد الثقافي، الفني، لمؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني (قدس سره)، الى بعض زوايا شخصية الامام، وما تجمعه من أضداد (على ما يبدو)، وذكر انّ سماحته، لم يكن سياسياً بما تحمله الكلمة من معنى، فلم يبدأ الانتفاضة بذريعة سياسية، ولم ينظر الى السياسة كهدف نهائي في حركته، برغم انه كان من حيث العمل والمسلك وبنظرته الى العالم، سياسياً وقد تزعّم أكبر تيار سياسي آنذاك المهم، انّ شخصيته (قدس سره)، كانت تنطوي على أضداد (في ظاهر الأمر)، إذا ما نظرنا الى ذلك دون شفافية وتحقيق فكان كل ما قام به وما سلك، وما احتوت رؤيته عليه، موجّهاً لهدف واحد، فلا يجب، اذن، تقييم شخصيته من بُعد واحد أو زاوية دون أخرى، يجب التعرف عليه من جديد، بشفّافية ودراسة، تُزيح الستار، عما يكتنف تلك الشخصية الفذة من أوهام وابهام.
يذكر الإمام الخامنئيّ “دام ظله”، وعلى مدى خطبٍ عديدةٍ، الكثير من الصّفات الّتي تتمتّع بها شخصيّة الإمام الخمينيّ “قدس سره”، ونحن هنا سنستعرض أهمَّها، تاركين التّفصيل فيها، وكذلك عرْض غيرها إلى ما يلي من الدّروس، بسبب التّداخل الموجود بينها وبين مضامين الدّروس التّالية.
1– الثّقة بالنّفس: “الإيمان بالذّات – الثّقة بالنّفس – لقد علّم الإمام الشّعب الإيرانيّ معنى “نحن قادرون”. وقبل أن يُلقِّن الإمام الشّعب الإيرانيّ ويعلِّمهم “نحن قادرون”، كان قد أحياها في داخله، وقد أظهر وأبرز اعتقاده بقدراته الشخصيّة بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. في عاشوراء 1963م، هدّد الإمام – وعلى الرُّغم من غربته وسط طلّاب وأهالي قمّ في المدرسة الفيضيّة – “محمّد رضا شاه” قائلًا: إذا فعلت كذا، وإن أكمَلت على هذا المنوال، فسأطلب من الشّعب الإيرانيّ أن يطرُدك من إيران”… وفي ذلك اليوم الّذي عاد فيه الإمام من منفاه، هدّد حكومة “بَختيار” في خطابه في “جنّة الزّهراء عليها السلام”، وقال بالصّوت الملآن: “سأصفع وجه حكومة “بختيار”، و”سأعيّن الحكومة”، هذه هي الثّقة بالذّات.
2– الإيمان والعمل الصّالح وتزكية النّفس: “الخصوصيّة الأولى هي الإيمان، والخصوصيّة الثّانية هي العمل الصّالح، وفي آخر الدُّعاء الوارد في الآية الكريمة ذُكرت صفة ثالثة، هي صفة تزكية النّفس وتهذيبها… وهذه الخصوصيّات الثّلاث كانت تشكِّل معالم بارزة في حياة إمامنا “قدس سره”، وما تشاهدونه اليوم من المكانة الرّفيعة الّتي يحظى بها إمامُنا الرّاحل في جميع أرجاء المعمورة، مردُّها إلى تلك الخِصال الثّلاث الّتي كان يتمتّع بها “قدس سره”.
3– حُبّ الشّباب له: “كان – الإمام الخمينيّ- الأستاذ الّذي يجذِبُ إليه الطّلبة الشّباب المتعطّشين منذ الوهلة الأولى، هو الشّخص الّذي كان معروفًا بين تلاميذه في تلك الأيّام باسم “السّيد روح الله”، وكان الشّباب الأفاضل المُثابرون المتحمّسون مجتمعين في حلقة درسه، وفي مثل هذا الجوّ كان دخولنا على قم.
4– المُجدِّد: “كان الإمام الخمينيّ مَظهرًا للتّجديد العلميّ، والتبحُّر في الفقه والأصول. وكنت قد شاهدت قَبلَهُ أستاذًا بارعًا في مشهد، وهو المرحوم آية الله الميلانيّ، الّذي كان من الفقهاء البارزين، وكان زعيم الحوزة العلميّة في قمّ آنذاك، هو المرحوم آية الله العظمى البروجرديّ، الّذي كان أستاذًا للإمام الخمينيّ، وكان هنالك أيضًا أساتذة كبار آخرون، إلّا أنّ الوسط الدّراسيّ الّذي كان يجتذب إليه القلوب الشابّة المتلهّفة الدّؤوبة المتحفّزة نحو تفعيل الطّاقات، هو درس الفقه والأصول الّذي كان يُلقيه الإمام، وأخذنا نسمع بالتدرّج من الطّلبة الأقدم منّا، بأنّ هذا الرّجل فيلسوفٌ كبيرٌ أيضًا”. وكانت دروسُه الفلسفيّة أوّل دروس فلسفيّة في قمّ، غير أنه يرجِّح في الوقت الحاضر تدريس الفقه.
5– شخصيّة الإمام الجامعة: “ما تجلّى من أبعاد شخصيّته، من بعد تأسيس الحكومة الإسلاميّة كان أهمّ وأعظم ممّا شوهِدَ منها من ذي قبل، فقد انعكست شخصيّتُهُ الفذّة على أُفقَين:
– الأوّل: أُفق القائد والمتصدّي لزمام الأمور.
– والثّاني: أُفق الزّاهد والعارف، لأنّ مَزْج هاتَين الصِّفتين، بعضهما ببعض، عملٌ لا يتسنّى للإنسان مشاهدته، إلّا لدى الأنبياء مثل داود وسُليمان، ومثل خاتم الأنبياء.
6– الإمام قدس سره الإنسان الرّقيق الرّؤوف: “كان الإمام الخمينيّ من أهل الخَلوة وأهل العبادة والتّضرّع والدُّعاء والبكاء في منتصف اللّيل، وكان من أهل الشّعر والقِيَم والمعاني الرّوحيّة والعرفان والتعلُّق بالله. هذا الشّخص الّذي بثّ الرّعب في أوصال أعداء الشّعب الإيرانيّ، وهذا السّدّ المنيع والجبل الشّامخ، حينما تَعرُض له مواقف عاطفيّة وإنسانيّة تراه إنسانًا رقيقًا ورؤوفًا.
7– الإمام قدس سره والذّوبان في الإرادة الإلهيّة: “الإمام اكتسب كلّ هذه الصّفات من جرّاء التّقوى والتمسُّك بالدّين والامتثال لأمر الله، وقد بيَّن شخصيًّا هذا المعنى بين طيّات كلامه، ملوِّحًا بأنّ كلّ ما هو موجود إنّما هو مِنْ الله، وكنتيجةٍ للذّوبان في الإرادة الإلهيّة، وأنّ الله هو الّذي نَصَر الثّورة، وهو الّذي حرّر خرَّمشهر، وهو الّذي ألّف بين قلوب أبناء الشّعب، فكان ينظر إلى كلّ شـيء من وجهة نظر إلهــّية، وفي مقابل ذلك فتح الله أمامه أبواب رحمته.



