“مواسم الإبداع” تحتفي بصمود الفلسطينيين في غزة

إن تظاهرة “مواسم الإبداع” التي نظمت أخيرا للاحتفاء بالمسرح التونسي، سجلت، وبشكل لافت، دخول القطاع الخاص على الخط لدعم التظاهرات الثقافية وهو أمر غير مألوف في تونس باعتبار أن المؤسسات الاقتصادية الخاصة اعتادت على تمويل ودعم كرة القدم وأنشطة أخرى بعيدا عن الثقافة.
هي، بلا شك، مبادرة إيجابية ومحمودة، لكنها في حاجة إلى المزيد من الدعم والتحفيز، لكن السؤال الذي يطرح: كيف سيغامر رأس المال الذي يوصف دائما بـ”الجبان” ويدعم تظاهرة مسرحية تشكو ضعف الإقبال وضحالة المستوى الفني كما يتضح من الكثير من العروض الفاقدة للتوهج واللمعان؟ أما ما بات دافعا للتثاؤب في هذه التظاهرة هو إصرار منظميها على تكرار عناوين ومحاور لا جديد فيها سوى ادعاء مواكبة الراهن والمستجد كي لا يقال إنها “خارج الحدث، وبعيدة عن هموم شعبنا”، وهلم جرا من تلك الكليشيهات المستهلكة.
هذه المحاور التي رافقت العروض في الندوات الموازية تمثلت في مواكبة ما يحدث في غزة، والتركيز على ثيمة المقاومة التي نشأت مع المسرح التونسي في بداياته وارتبطت به حتى صارت بمثابة التوأم.
لا أحد ينكر ذلك طبعا، وإنما بالإمكان تطويرها وتوسيع مناقشتها ضمن أفق فني لا يهمل الجماليات التي هي الهدف الأول والأخير من الفعل المسرحي.
جل ما نخشاه أن تصبح الحركة المسرحية في تونس أشبه بالحركة النقابية التي يتدخل قادتها بالعمل الحزبي والسياسي بحجة أنها ارتبطت عضويا وتأريخيا بمرحلة النضال الوطني في سبيل دولة الاستقلال.
ولكي لا ننكر على المسرح دوره التوعوي والنضالي كما هو حاصل بالفعل، فإن الندوة المقامة، التي حملت عنوان “المسرح في زمن المقاومة” وذلك تفاعلا مع ما يحصل في قطاع غزة، قد صبت في هذا الإطار على سبيل المواكبة، وليس العمق الفكري والطرح الجمالي، فجاءت سطحية، شبه جوفاء وقد طغت عليها الشعارات حتى صارت أشبه بتقرير إخباري يغلب عليه طابع الحماسة.
المسألة السياسية والهموم النضالية والتحررية لم تغب يوما عن المنجز المسرحي التونسي، لكنها كانت على أعلى درجة من الإخلاص للفن الرابع وأطروحاته التقنية والجمالية أولا، كما كان واضحا في عروض المسرح الجديد وما رافقه من تجارب على غرار مسرحيات الفنانين فاضل الجعايبي وفاضل الجزيري ومحمد إدريس وجليلة بكار ورجاء بن عمار والمنصف السويسي والحبيب شبيل وغيرهم.



