“ماكنة كبيرة تدهس المارة” معاناة المغترب العراقي الهارب من جحيم الحروب

قصص مكتوبة بأسلوب الواقعية الغرائبية
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان المجموعة القصصية “ماكنة كبيرة تدهس المارة” للقاص زهير كريم تمثل معاناة العراقي المغترب الهارب من جحيم الحروب.
وقال جويعد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان “أحداث المجموعة القصصية (ماكنة كبيرة تدهس المارة) للقاص زهير كريم تدور في بلجيكا، وفي عاصمتها بروكسل، وفي المدن والقرى التابعة لها، حيث عاش القاص مغترباً هارباً من جحيم الحروب في بلده الأصل، حيث استطاع ان ينقل لنا احداثاً سردية نابعة من صميم واقع حياة هذا البلد, مستحضراً ادواته السردية لتشكيل المبنى السردي من تلك البيئة وزمانها ومكانها وشخوصها وثيمتها، وقد استجزأ أحداثها من فضاء هذا البلد, وقد نقلها بدقة متناهية, وبتفاصيل تصل الى الحد الذي يحس فيها المتلقي بأنه ينتقل مع مسار السرد, والبنية النصية الى طقوس هذه البلدة, وحياتهم, وعاداتهم وتقاليدهم, وهي بهذا تختلف تماماً على ما اعتدنا عليه من النصوص السردية التي كتبت في بلدنا ونقلت لنا الحياة فيها”.
وأضاف: ان “قصة ليلة في فندق اميغو تنقلنا الى رؤية سردية ذات ضبابية يغلب عليها الحلم والشعور بالوحدة والغربة والضياع لمغترب يعيش في بروكسل وسط أجواء وتقاليد وطقوس لم يعهدها ولم يعتد عليها فيعيش مجبراً وكأنه وسط مشاهد لفلم سينمائي وقد تمكن القاص من ايصال هذا الاحساس الغريب في المبنى السردي المنساب المتماسك والذي تغلب عليه الرؤية الضبابية، مستندا في تناوله لهذا النص أسلوب القصة العالمية في تشكيلها العام، ولكن ملامح السرد المحلي تظهر فقط عندما يتذكر بطل القصة ملامح من حياته في البلد وهو في ذلك أراد ان يقدم خطابا انسانيا مفاده، ان الغربة تشبه الحياة وسط حلم موحش، بينما الحياة في البلد هي الواقعية الواضحة الجلية وقد كتبت بأسلوب الواقعية الغرائبية”.
وتابع: في “قصة جنازة آخر المحاربين تستعرض وترصد حياة العقيد شوفاليه مستحضرا البيئة والمكان والزمان في بروكسل وتفاصيل الحياة هناك، حتى انها ابتعدت تماما في تناولها عن البيئة والزمان والهوية في البلد، واستطاع القاص، ان يمنحنا فرصة للولوج في طقوس العقيد المهووس بحب الحرب والقتال والنظام العسكري، وكذلك التفاصيل عن حياته وزوجته التي تركته بسبب هذا الاهتمام ويتأثر هذا النص بالأدب العالمي من حيث التناول سواءً كان ذلك في البنية النصية وطقوس الحياة فيه أو في ملامح البيئة المنقولة من الغرب”.
وأوضح: ان “قصة الجثة رقم 50 تقدم لنا الواقعية الغرائبية والسحرية ليست في اختيار القاص لهذين النمطين في تدوين هذا النص، وانما في قيامه لسرد أحداث تدور في قرية ومدينة ودولة تخوض حرباً ضروس ولكنها ليست بلدته الأصل وليست مدينته وليست قرية يقتطعها من بلاد الغربة، ويقدم لنا احداثها بشكل مذهل، وبطريقة تؤكد انه كان معهم ويرافقهم ويعيش تفاصيل تلك الحياة المرعبة خطوة بخطوة وبوضوح، وكأننا نشاهد شريطا سينمائيا ممتعا”.
وبيّن: “في قصة الراكب الوحيد في الحافلة اجابة لاستفسارات كثيرة تتولد لدى المتلقي وهو يتابع نصوص هذه المجموعة التي تبدو مختلفة عن القراءات لنصوص محلية، كون القاص استطاع ان ينقل لنا البيئة والزمان والمكان والشخوص للبلد الذي لجأ اليه هارباً من جور وظلم الحياة في بلده الأصل، فقاسم الكتبي بطل هذا النص هو مغترب أيضا منذ عشرات السنوات بعد وشاية من عمه بانه ينتمي لصفوف تنظيم مسلح ضد السلطة وهكذا انتقلنا معه حيث منفاه وبعد هذه السنين الطوال، مبتعداً عن بلده يعود للبلد من أجل ان يتزوج من امرأة عراقية، إلا انه يجد الحياة اكثر سوءاً فيهرب ثانية ويعود الى الغربة وفي النهاية يموت في تلك الحافلة (وضغط على رقم الشرطة ثمة راكب ميت في الحافلة رقم 365 القادمة من شارلو)”.
وختم: “لقد طغى جو الحرب الذي نشبت في تلك البلدة في أحداث نصوص المجموعة، وهذا يحيلنا الى بنية العنونة التي تشمل في محتواها ومضمونها نصوص المجموعة، كونه ليس نصا قصصيا ضمن المجموعة وهو اشارة الى ان الماكنة الكبيرة هي تلك الحروب المدمرة، التي هتكت بالشعوب ودمرتها أن المجموعة القصصية (ماكنة كبيرة تدهس المارة) للقاص زهير كريم، تثبت للعالم ان القاص العراقي يستطيع ان يقدم نصوصاً قصصية ناضجة، تتوفر فيها كل التقنيات الحديثة التي تجعلها تضم الى الأدب العالمي الحديث”.



