اخر الأخبارثقافية

غياب ملامح السلطة في رواية “تغريبة القافر”

حمدي العطار..
البيئة التي اختارها الروائي زهران القاسمي في رواية “تغريبة القافر” كمكان كانت تفتقر الى تحديد زمن الرواية، ونحن لا نعتقد ان الزمان قديم جدا ليكون هناك غياب السلطة أو وجودها بشكل ضعيف! وهناك دليل على ان الزمن يجب ان تتوفر فيه السلطة ، وعلى الرغم من وجود الشيخ في القرية ووكيل المياه لكن دورهم كان غير مؤثر وغالبا ما يفشلون، اما اعتقادنا ان الزمن ليس قديم جدا موجود في هذا المقطع الذي يذكر فيه البندقية ” صبيحة تصرخ وهي تشير الى سلام:- هذا ما ولدي، ولدي أخذوه الجن- السبب ان الرعوي عندما كان طفلا عيونه حمراء- ، هذا ولدهم، بدلوا ولدي وخلولي هذا . ثم قامت فأمسكت بيد الطفل وسحبت لتخرجه من البيت وهي تقول:- روح عند اهلك ، هذا ما بيتك ، وخبرهم يجيبوا ولدي . حاول الولد التملص من قبضتها فأحكمتها عليه، ثم أمتدت يدها الثانية إلى وجهه وبدأت تخدشه، وما افلتت يده إلا لتقبض على عنقه محاولة خنقه. وعبثا حاول زوجها فك يديها على رقبة الطفل. كانت تضغط بكل قوة والولد يختنق وعيناه تجحظان، وفي غمرة ذلك تناول الأب بندقيته وضرب رأس زوجته بكعبها فألقاها صريعة على الأرض، وقف عامور ممسكا بندقيته ينظر الى جسد زوجته المطروح على الارض، والى ولده الذي لم يكف عن مناداة أمه والبكاء عليها، ثم خرج من البيت. ذهب إلى الوالي وسلم نفسه واعترف بقتل زوجته، ولم يعد بعدها إلى البلاد ، ولا سمع عنه شيء”ص94
شخصية كاذية مرضعة (سالم) ايضا تختفي وينتهي دورها عندما تذهب الى زوجها الذي يعيش في قرية (الغافتين) فهي تلتقي بزوجها المريض (ابراهيم بن مهدي) تبقى معه تداويه وترعاه حتى يقوى ويرجع للعمل وينتهي دورهما في الرواية عند الصفحة 63 في الفصل الثالث وهو لا يستقيم ان تختفي الشخصيات الرئيسة في الربع الاول من الرواية ولا تعود لتظهر في المكان الرئيس للرواية (لكن قرية الغافتين كانت المكان الذي ارتاح له وأعجبه، فاستقر فيها جاعلا من ظل تلك السدرة بيتا له)ص59
اما كاذية عمة سالم وصارت امه بعد موت مريم فهي عانس وكذلك أخواتها كلهن عوانس! البيئة التي يعيشن فيها لا تبقى المرأة من دون زواج ! اما سبب عدم زواجها من الوعري فهو غير معقول- يسألها الطفل سالم : وليش ما تزوجيتيه؟ ضحكت كاذية من سؤال طفلها، ثم اجابته وقد غطت شفتيها حياء” – انا اتزوج الوعري؟ تريد الناس يقولوا ما تزوجت طول عمرها وما بغت غير الوعري. هرش الطفل رأسه، محاولا فهم الفكرة، كيف يمكنها أن تهتم بشخص وترفضه في الوقت ذاته؟”ص95 وحقا تساؤل الطفل مشروع ومبرر !
بعد ان حوصر سالم عند خاتم الفلج مشجوج الرأس ولم ينج منها بدأ شريط الذكريات يلح عليه تحدث مع نفسه عن فلج السرى في بلدة الرفيعة وكيف كان يردد في داخله “هذيلا ما ناس، هذيلا عفاريت” وربما قال ذلك لأنه يعرف الحكاية القديمة التي يعزو الناس فيها حفر الأفلاج إلى النبي سليمان ، ومفادها أنه مر بعمان وهو على بساط الريح، وقد اصابه شيء من العطش، فقرر الهبوط إليها ليشرب، لكنه وجد البلاد قاحلة، جافة، فأمر جنوده من الجن بحفر الأفلاج في كل مكان، فحفروا في الصحاري، والوديان وشقوا الصخور والجبال وأجروا المياه في قنواتها ، حتى قيل إنهم حفروا أكثر من الف فلج في ليلة واحدة”ص220
ولم نفهم كيف يتم توزيع المياه (على طول الظل) – كل شخص في القرية يمكنه أن يحضر الماء بقياس ظله- وهنا في الاخير يظهر الشيخ ووكيل الفلج ليمنعون اثنين هما (سليمان ود منصور، وعبيد بن حارث.

اذا اردنا ان نتحدث اخيرا عن شخصية “نصرا بنت رمضان” وهي تصر على انتظار زوجها سالم لسنوات تعتقد انه لم يمت وسوف يعود وهنا يظهر معنى صورة (المغزل ) في الغلاف ، لأن كلما يلحون عليها اهلها كي تنسى القافر وتتزوج غيره ترفض قائلة لا اتزوج حتى اغزل هذا الصوف “- من اخلص غزل كل هذا الصوف، أوعدكم زوجوني وين ما تريدوا / وعندما قال واحدا اخر من إخوانها:- ومتى بيخلص هذا الغزل؟/ ردت عليهم بهدوء تام – بيخلص يوم يخلص…/ بدأ المغزل في الدوران، بدأت خيوط الصوف تمتد بتأن وصبر. كل خيط بمثابة زمن طويل لا ينتهي، كل خيط يمضي مع الأيام والشهور، يتنامى حتى تخاله لا حد له مطلقا ، وكلما انتهى خيط من خيوطها ، بدأت في غزل آخر””ص213 لعل هذا الموقف فيه تناص مع ملحمة الاوديسة اذ تبقى بينيلوبي بانتظار زوجها اوديسيوس (20 عاما) مشغولة في (غزل الصوف) ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها وتنتهي الملحمة بوصول زوجها الى إثياكا وقيامه بالانتقام من الذين اضطهدوا زوجته بتلك الفترة لكن الروائي ” زهران القاسمي” لم يجعل القافر يعود لتقر عيون زوجته نصرا بنت رمضان لكنه اختار لها هذا الموقف ! لتنتهي الرواية بهذا المقطع الرائع ليعبر عن الوفاء “واستمر اهلها يجيئون لزيارتها فيجدونها على تلك الحال، ما إن تنتهي من اعمال بيتها حتى تجلس أمام مغزلها وتفتح باب الأبدية في انتظار الخيط الذي سيأخها إلى البعيد، كأن كل خيط درب يأخذها لتبحث عن زوجها في الوديان والجبال، بين الأشجار الكثيفة ومغاور الصحراء والسيوح الممتدة، لعلها تصادف الرجل الذي احتفظت به في ذاكرتها، الرجل الذي طال النسيان كل شيء فيها إلا وجهه”ص215

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى