“خزامى” .. معاناة ” أذن جندي مقطوعة” من قسوة الجرائم “الصدامية “

في الرواية الأخيرة “خزامى” للكاتب سنان أنطون والصادرة خلال هذا العام 2023، تَظهر شخصية بطل الرواية عمار بأذنه اليمنى المقطوعة، لتقول رأيها في فكرة “الوطن”، أو للدقّة لتحكي ذاتها بتأتأة من لم يعتدْ تشكيل إطار لغوي متماسك في جملة مفيدة يمكن اعتبارها رأياً أو رأياً آخر وهذه الشخصية روائية بقدر ما هي حقيقية عند الكاتب الذي يعشق فنّ النحت، وعند أيّ عراقي تَصادف ميلاده في نصّ الحياة الواقعية.
وعنده، فإن الوطن فكرة جميلة وحلم، لكنّه بشكله المثالي لا يتحقّق للجميع، إذ هناك دائماً طبقات تراتبية يفرضها الذين يحتكرون السلطة الرمزية والحقيقية، فيدفعون الأوطان إلى ثلاثة مهالك: الطغيان والحروب الخارجية والأهلية. وفي جردة الصور التي يستعيدها مرغَماً وبخياره، تظهر ملامح قديمة لمجتمع غني ومتعدّد، ولكن منهك، وصولاً إلى جثث طافية على مياه البحر المتوسّط في أسوأ مآلات “الوطن” الذي يهرب على كتفَين.
لقد عايش الكاتب الحروب الكبرى وعاين عن قرب أطوَلها وهي الحرب العراقية الإيرانية منذ مطلع الثمانينيات، ولكن في الوقت ذاته يتحدّث عن خياراته السردية بما استطاع إلى ذلك سبيلاً، حيث لم يكن متاحاً سوى سردية واحدة بدعائية أيديولوجية وأجهزة أمنية ترى في اجتماع اثنين من المواطنين محلّ شبهة.
وأعاد أكثر من مرّة القول إنه كان يشاهد في سنّ صغيرة كتّاباً ومثقفين يتقاطرون إلى بغداد في مهرجانات أدبية وفنّية، وكانوا ينظرون إلى بلاده “العلمانية” التي هي في رأيهم تقف في وجه المدّ الإيراني، وكان يفكّر كم يمكن أن يكون الفتى على حقّ أمام هذه الأسماء اللامعة؟
وبما هي الحياة في نهاية المطاف صراع سرديات، تناوَل السردية التي تنامت لديه من خلال الشغف بأرشفة المواد الصحافية، أو تلقُّف كاسيت لمظفّر النواب الذي ثمّن عالياً حضور قصيدته الشعرية بما فيها من جماليات ومعرفة عابرة لعقود العنف الجسدي والرمزي، سواء منذ زمان الحُكم السابق وما زال في سياق السرديات حين أبدى ملاحظته بشأن عشرات الروايات التي طُبعت عن الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها قائلاً إنها “أصبحت في مزبلة التاريخ”، لأنّها كُتبت تحت نظام استبدادي لم يحاول فقط أن يسيطر على الحياة اليومية، ولكن أيضاً على اللغة وإنتاج المعنى”.



