فاخر محمد .. المعنى المختلف في عالم الفن الحديث

الناقد والفنان التشكيلي د. صلاح هادي بشن
حين ينهض الكنز المثالي في ذاكرة الفنان (فاخر محمد ) التناسخ النهائي للملك ” فاخر /الملك” هذا التبدل الكامل ستكون له, بالطبع, نتائج حوارية متأرجحة بين التأريخ وذاكرة الفنان وبين رفضه للواقع .كنتيجة حاسمة لرفض كائن الانسان بحلته الجديدة الذي فقد العصب الاخير الذي يشده الى أصلة السلالي الطبيعي, فيظهر الفنان نموذجا بشريا جديدا, هو نموذج الانسان الحر حيال كل تراث وكل مصير. لذا نجد ( فاخر محمد) قام باستحضار أشيائه المتاحة، الكرسي، المدن البابلية، صورة الملك، وآثار ورموز تثري عين المتلقي, فحينما رسم صورة الملك بعدة اشكال منها , ملك طائر ودعاه بالحارس , ملك يرتقي العرش, ملك متأمل …الخ من صور الملك التي تظهر في اغلب اعماله , فهو عندما يرسم الملك وعلاقته بتصوراته نحوها, فهو كما لو انه استعان بها للحديث عن نفسه وعن آلامه , وعلى هذا الاساس بدأ تصور الشيء في العمل الفني . فلا شيء خطر على الانسان سوى فقدان التحكم في الذات , فهو يلج في موضوعاته ويبرز ماهياتها . فالآنية لدية ملامسة خواطره فتُرسم قبل ان يرسمها بيد ساحرة يسبر غور منابعها ويلاحق مراسيها فكل الاشياء التي يرسمها تكون في موضع ثقة يقوم بتجريدها من الخيال ويحرر قيمتها ويقوم بتعريفها ليهبها العظمة .
إن مفهوم الرسم لديه يحمل معنى مختلفا في عالم الفن الحديث , ففي حديث معه على طريق بغداد وهو يشاهد الغروب بين ظلال النخيل قال اني بتلك اللحظات “أتشكل بوجود آخر ” فبين المستلب والمغلق وخفقان اجنحة الغربان و بين انبلاج الفجر ومنعطف الغروب الذي يعلن نهاية المطاف بالنسبة له تلك اللحظات هي وجود بين عدمين , بين الانعطاف وبين الانبلاج . ذلك التعب الطويل تجلى في غروبياته وبيوتات الطين والاثر المستعاد من الذاكرة تتجلى في لمسات فرشاته واسَمَال خطوطه الملتوية لتصحح مسار السطوح حولها , انما هو يشكل بُعداً آخرا لهذا الوجود . فالعالم المحيط لديه هو منطقة لانبثاق وجوده في العمل الفني , فاخر محمد انهمك باكتشاف ذاته وتفرده من خلال معارضته تراثاً طويلاً يشدد على “معرفة الذات ” على حساب ” العناية بالذات ” تلك العناية شكّلت المتنفس ضد كل سطح عصي عن الامتطاء وتفادى به صعوبة الجُدر التي تقف بينه وبين تشّكل اشكاله فلديه مخيلة تعمل على اعادة خلق المشهد وترتيب المكان من جديد , فاعماله توليدية لها ديمومة التشكّل فهو يعرف كيف يشق طريقه ويأخذ مكان الصدارة فيه.



