اخر الأخبارثقافية

الحاجة أم سالم

حسن الموسوي

حكايتي مع الحاجة ام سالم ابتدأت ذات صباح شتائي من تسعينيات القرن الماضي ، يومها كنت عائدا الى البيت بعد ان انهيت عملي في أحد المخازن .
كان دوامي يبدأ من المساء لأعود الى بيتي قبل طلوع الشمس ، فالليل ساتر لأولئك الذين رفضوا الخدمة في الجيش ، وقتها كنت اشتري اوراق عدم تعرض مزورة من سوق مريدي كي استطيع ان اتنقل بها ، لكن رغم ذلك كنت حريصا على التخفي قدر المستطاع
في ذلك الصباح بدا كل شيء طبيعي ، اجتزت الزقاق بحذر ، و قبل ان أصل الى بيتي شاهدت الحاجة أم سالم و هي تنظف الشارع ، كان من عادتها ان لا تنام إلا بعد أن يعود ابنها سالم و كان صديقي المقرب .
حين اقترابي منها نظرت لي من دون أن تتكلم ، على الفور فهمت من نظرتها بأنها تحذرني من خطر محدق ، عدت ادراجي و أطلقت ساقي للريح متنقلا ما بين الشوارع.
بعدها علمت بأن مفرزة من الانضباط العسكري قد نصبت كمينا لكل من يعود إلى بيته في هذا الوقت المتأخر .

بعد نجاتي من الكمين ، عقدت العزم على الذهاب إلى مدينة كربلاء لزيارة المراقد المقدسة .
حين وصولي إلى الكراج في منطقة المشتل شرقي بغداد ، و كان الوقت فجرا ، تملكتني الدهشة من كثرة المفارز العسكرية التي كانت تراقب الجميع .
في تلك اللحظات خلت الشوارع المحيطة بالكراج من الناس فيما راحت الكلاب السائبة تنتشر على شكل مجموعات لتعلن عن مناطق سيطرتها .
انتظرت لساعتين قبل أن أصعد في باص الكوستر
عل عجل أخذ سائق الباص يطالع الجميع للتأكد من عدم وجود كرسي فارغ ، أدار المحرك بسرعة و أخذ ينهب الشوارع الاسفلتية كي يتخلص من هذا الجو المشحون بمظاهر الخوف .
بعد رحلة امتدت لأكثر من ساعة توقفت السيارات عند مشارف مدينة كربلاء ، تنفس الركاب الصعداء ، لكني كنت خائفا من هذه الرحلة ، ثمة من يهمس في أذني بأن حدثا جللا سوف يحدث .
بخطوات متثاقلة بدأت بالتجوال ما بين السيارات في محاولة مني لمعرفة ما يدور في الجوار
أكثر شيء أثار انتباهي هو توقف ثلاث باصات من نوع الكوستر بالقرب من البوابة الرئيسية للسيطرة .
في لجة القلق طلب ضابط كبير و بلهجة آمرة مليئة بالغطرسة من جميع السيارات بالتحرك ما عدا الباصات الثلاثة .
حينما تحرك الباص لمحت الحاجة أم سالم و هي تجلس في الباص الثالث المتوقف قرب البوابة الرئيسية ، ابتسمت لها ، لكنها كانت مكفهرة الوجه ، نظرت لي بنفس النظرة التحذيرية التي رمقتني بها فجر هذا اليوم .
ابتعدنا عن السيطرة ، لكن الحاجة ام سالم ما زالت تنظر لي ، بعد دقائق أختفى الباص الثالث عن ناظري و أختفت معه الحاجة أم سالم .
مساء و بعد عودتي إلى بيتي في مدينة بغداد انتبهت إلى حالة الصراخ في منزل الجيران .
عند عتبات بيتهم أخبرني سالم أن أمه لم تعد لحد الآن من مدينة كربلاء .
مثل شريط سينمائي بدأت أتذكر احداث هذا اليوم الثقيل أخبرت سالم بكل ما رأيته .
أخبرته عن الباصات الثلاث المتوقفة ، أخبرته عن نظرات والدته الحزينة .
مرت الأيام و الأيام و الحاجة أم سالم لم تعد إلى بيتها
بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة و بعد سقوط النظام عام 2003 عثر على الحاجة أم سالم في المقابر الجماعية
كان منظرا تهتز له عروش الانسانية، ثلاث باصات كبيرة قد دفنت مع ركابها الأحياء في مقابر جماعية إرضاء لرغبة الدكتاتور المتعطش لدماء شعبه .
حين وقوفي مع سالم بالقرب من الباص الذي أخرجوه للتو من الشق الأرضي ، كانت الحاجة أم سالم تنظر إلى السماء و قد تملكتها الطمأنينة ، لعلها أيقنت ان الحزن و القلق سينتهي مع رحلتها الى العالم الآخر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى