مهام النبي (ص) بترسيخ مبادئ الحكومة الإسلامية

بُعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتخليص هذه الامة من الانحراف الكبير الذي ذهبت باتجاهه وانتشالها من الظلم والفساد الذي صار شعارا واضحا انذاك، فجاء نبي الرحمة عليه أفضل الصلاة والسلام برسالة إلهية ومهام لم يكلف بها احدٌ سواه فقال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾.
وللنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مهامّ مختلفة، يختصُّ بها دون غيره، ولا تتعلّق إلّا به، وإذا ما انتقلت إلى الآخرين، فإنّما تصدر عنه إليهم، كما صدر بعضها بالفعل. ولقد جمع النبي صلّى الله عليه وآله هذه المهامّ الثلاث بأمرٍ ربّاني، وهي:
١. النبوّة والرسالة: يتجلّى دورها في تبليغ الأحكام الإلهيّة الّتي كان يتلقّاها عن طريق الوحي، فكان يُبلغ الناس بما يوحى إليه مكلّفاً بذلك بصفته رسولًا ونبيًّا. قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ﴾ ومن الأحكام الّتي كان يتلقّاها ويؤمر بتبليغها: الصّلاة والصّوم والحجّ والزكاة وسائر المعاملات، وكلّ ما يتعلّق بالممارسات العباديّة وغيرها، مع العلم أنّ التعليم كان يرافق عمليّة التبليغ، وكان الناس في المقابل يشعرون بمسؤوليّتهم إزاء هذه المَهمّة النبويّة، فيأخذون عنه ما يلقي عليهم.
٢. القضاء: أمّا ثاني هذه المهام، فهو مَهمّة القضاء، وهي مَهمّة مقدّسة، وعندما نقول: مقدّسة، فإنّا نقصد: أنّها يجب أن تصدر من قِبل الله – جلّ شأنّه – حتى يتيَسّر له أن يكون نبيًّا، وهذه المَهمّة، نعني القضاء والحكم بين الناس، منصب حسّاس ومُهمّ، لذلك ينبغي أن يفوّض من قِبل الله تعالى لأحد، حتى يتمكّن من الحكم بين الناس، والحكم بين الناس يأتي بسبب الاختلاف الحاصل بينهم من حيث الحقوق الاجتماعيّة، وهذا ما يتطلّب وجود شخص يحمل مؤهّلات الحكم لأجل إحقاق الحقّ، وهذا الشخص يبثُّ في الأمر وفق قانون معيّن بعدما يقوم بدراسته وتحقيقه.
إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن نبيًّا هاديًا فحسب، بل كان قاضيًا أيضًا، والمنصبان نعني: النبوّة والقضاء، يقبلان الفصل في حدّ ذاتهما، ومنصب القضاء منصب مقدّس، والقاضي ينبغي أن يُنَصَّب من قِبل الله تعالى، وقد قال عزّ من قائل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾، هذه الآية تتعلّق بمنصب القضاء الّذي كان للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتريد من الناس التسليم الكامل أمام حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنبّههم أن لا يتوقّعوا تحّيز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأحدهم عندما يحكّمونه.
٣. الحكومة: وأمّا ثالث هذه المهامّ، فهي مَهمّة الحكومة الّتي فوّضها الله تعالى إلى نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وينبغي أن تكون الحكومة من قِبل الله جلّ شأنه حتّى تضمن شرعيّتها، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حاكمًا على الناس، وكان سياسيًّا ورئيسا للدولة، ومسؤولًا عن المجتمع، وقد أسّس صلى الله عليه وآله وسلم حكومة في المدينة كان يرأسها بنفسه، وكان يصدر الأوامر، ويعلن النفير العامّ أو التعبئة العامّة عندما تقتضي منه الظروف ذلك، وكان يأمر بزراعة محصول من المحاصيل في السنة الفلانيّة، وهكذا كان دأبه طيلة عشر سنين، وهي الفترة الّتي حكم فيها بصفته رئيسًا للدولة الإسلامية في المدينة المنوّرة، فمنصب الحكومة وإدارة شؤون الأمّة هو غير منصب النبوّة، ومنصب القضاء، فكان يبيّن الأحكام، ويبلّغ الأوامر الصادرة عن الذات الإلهيّة المقدّسة بصفته نبيًّا، وكان ينظر في دعاوى الناس ومرافعاتهم بصفته قاضيًا، وكان يدير شؤون الأمّة السياسيّة والاجتماعيّة بصفته حاكمًا ورئيسًا.



