اخر الأخبارثقافية

«ظهر السمكة»… انتصار وهمي على موت حتمي في الحروب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد جمال العتّابي أن رواية “ظهر السمكة” لحميد قاسم هي تعبير عن مأساة، بمعنى أنها تعبير عن انتصار وهمي على موت حتمي في الحروب.

وقال العتابي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي””:”استوقفتنا رواية حميد قاسم «ظهر السمكة» على الرغم من صغر حجمها (119 صفحة) لا نقول عنها قصيرة، إنما رشيقة، قرأتها بشغف، خلال بضع ساعات، منشداً لأحداثها، ولغتها، أتأملها بتساؤل: كيف تكون الحرب عاملاً في الابداع، الحرب فعل تدمير، تدمير كل شيء، الحياة، والذاكرة، كل الحروب، التي مرّت على البشرية، أو شاركت فيها، هي ضد الإنسان، والحرب اعتداء، مهما قدّمت له من مبررات. من هذا المعنى للحرب، تبرز ضرورة التمييز بين من يصنع الحرب، ومن يتخذ من الحروب سبيلاً لقتل الآخر عندما لا تسعفه السبل الأخرى الأقل ضراوة”.

وأضاف :”بعد عقود من الزمن يستعيد حميد المشهد، منذ أن راح مسرعاً لبيت عمته في مدينة الثورة، وقد جيء بابن عمته (علي) ملفوفاً بالعلم العراقي، في معارك شرق البصرة عام 1982. كان حميد مندهشاً لتماسك عمته ورباطة جأشها، حين وضعت رأسه في حجرها، حدّقت في عينيه المغمضتين، سحبت رأسه صوب صدرها بهدوء مميت، أخرجت بيدها الاخرى ثديها الضامر الأعجف، واسندت رأسه إلى صدرها، مدّت إصبعها الوسطى والسبابة إلى فمه لتفتح شفتيه قليلا، انحنت على وليدها القتيل، ودسّت حلمة ثديها بين شفتيه المنفرجتين لترضعه. هذه الصورة وحدها قادرة على أن تنقلك إلى الإيقاع المأساوي لواقع الحدث، بإبداع نمط سردي، بسيط غير معقد”.

وأوضح :أن”لحظة الكتابة تبدأ منذ أن عثر الكاتب مصادفة، على دفتر يوميات صديقه (سليم غانم سلطان) ورفيقه في الراقم 684، اليوميات كانت منقذه الوحيد، لتحقيق حلمه القديم في نبش صندوق صديقه المهمل، وهو يتساءل: أترون أنها لعبة ماكرة، لكنها ذكية لجأ إليها الكاتب، دون ادعاء أن اوراق سليم، هي مذكراته، يمكن أن يقدمها كنص قابل للقراءة، حسبما يعتقد، يقولها بتواضع، لأنه الناجي الوحيد بين أفراد فصيله من الجنود، لم يبق منهم سوى هذه الأوراق، بينما نجد في هذا النص بوصفه رواية، اللغة الشعرية المجنحة تعبيرها الأرقى، وشكلها الأسمى، يزدهر هذا النص الشعري على حساب السردي في أكثر من موضع، الجنود على مذبح الموت، ما من ملجأ يلجأون إليه تحاصرهم سيول الأنهار، وهطول الأمطار المتواصل، والريح العاصفة، ليس أمامهم سوى الصعود إلى قمة جبل يشغله الخصم في الجبهات الأمامية، يبدو مظهره من بعيد على شكل ظهر سمكة”.

وأشار إلى أن”«ظهر السمكة» المكان الآمن الذي لجأ إليه الجنود الإيرانيون، والعراقيون، في لحظة جنون الطبيعة، وفّر لهم الأمان، بعد أن كانا يتبادلان رصاص القتل قبل ساعات، لا معنى للموت، والقتل على ظهر السمكة، لا معنى للحرب كذلك. عشرون (مقاتلاً) من الجانب العراقي، وثمانية من الجانب الإيراني، غاب عنهم السؤال عن الموت الذي كان يتربص بهم قبل حين، في موضع السلام الجديد، يتبادل بعضهم اللغة نفسها مع الجنود العراقيين، يتشابهون، في اللهجة والسحنة، يحبون الشعر، تتشابه وجوه الأمهات، ومشاعر حب للنساء، وحنين للأولاد، وربما الطباع والهوايات. وسط حالات الوجوم والترقب، يسود القلق والخوف، وهم يواجهون مصيراً واحداً، يتقاسمون بقايا الخبز اليابس كأصدقاء، عيونهم لا تقوى على المسرات، فتدمع نزفاً كالمطر، يرددون: كلنا لانتهاء، حين يأتي مخاض الحروب، وأثناء لحظات ضجر، وتساؤل عن المأزق الذي وجدت المجموعة نفسها فيه “.

وختم : إن«ظهر السمكة» تحريض ضد حرب لا حق واضح فيها، ولا باطل واضح، هل كانت نهايتها انتصاراً للحرب؟ أم ان الموت انتصر على الحياة والزمن؟ ولئن كانت الكتابة الإبداعية، هي أساساً تعبير عن مأساة، بمعنى أنها تعبير عن انتصار وهمي على موت حتمي، فإن هذه المأساة تزدوج في الحروب، لأن القتل موت يتقدم الموت، وأن تواجه الكتابة الحرب، هي أن تواجه موتاً في موت، وأن تكون لغة لمأساة مزدوجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى