أعمال التشكيلية وئام عباس.. خطوط مستوحاة من الحضارة الإسلامية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد محمد البندوري أن أعمال التشكيلية وئام عباس تزاوج بين حدود الخط والرسم، في نطاق مجموعة من المفردات الفنية التي تنبعث من أشكال خط الثلث، ومن الرسم الواقعي حينا، والانطباعي حينا آخر.
وقال البندوري في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: تستند الفنانة العراقية وئام عباس على معرفة تشكيلية وخطية تتقصد البعد الفني والبلاغي في سياقاته الجمالية والثقافية على نحو من الإبداع الذي يبعث صورة متكاملة عن منجز تشكيلي متوالف، بين اتجاه واقعي وخطي وتجريدي، ما يجعل منه تركيبا متباينا يزاوج بين حدود الخط والرسم، في نطاق مجموعة من المفردات الفنية التي تنبعث من أشكال خط الثلث، ومن الرسم الواقعي حينا، والانطباعي حينا آخر، ومن الرموز التي تحتضنها بعض البؤر التجريدية، لتكتسي هذه الأعمال من خلال شكلها الجمالي ومرجعياتها المضامينية حُللا فنية ممتدة في الوجود، تُسائل وحدة الموضوع؛ فهناك بعد فني وبلاغي، وهناك ترانيم موسيقية تبعث سمفونيتها من عمق التوليف بين الخط والرسم، إذ يتبدى التكامل والتجانس والتوليف التدريجي بائنا؛ ينغمس في عمق المادة الفنية عبر وحدة فنية متكاملة، ذات خطاب فني نَسَقِي، تستحضر من خلاله المبدعة المادة التراثية والمادة الرمزية والعلاماتية بتقنيات عالية.
وأضاف:”إنه إبداع قوي تلامس به جوهر التشكيل المعاصر، وتتقصد به الحرف في بعده الفني والبلاغي، وتستهدف به الرمز في بعده التشكيلي؛ وإنها في الآن نفسه تقدم صورة حضارية متقدمة عن أفكارها الراقية، ويقينها بمنهجية فنية، تسمو بها في صفوة التأمل، لتُنتج خطابا فنيا حضاريا من زاوية تشكيلية حمالة لأوجه من الاتجاهات الفنية، برؤية مسعفة في دمج خط الثلث بمعية المادة الرمزية والعلاماتية، وبمعية الشكل الواقعي والطبيعة الصامتة والمادة التراثية؛ في بناء شكلي ومضاميني قوي المراس، ما ينم عن عبقريتها الفذة ونبوغها الطافح، وينم كذلك عن قدرتها الفائقة في تشكيل خطاب حضاري جديد في الساحة الفنية المعاصرة، خاصة أنها قد حققت صورة فنية متعددة الوظائف البنائية والدلالية، وهي صورة تنسجم مع فارقية المواد الفنية؛ إذ إنها قلصت المسافات البعيدة، من خلال خوض غمار الفن بأبعاد متنوعة ومتعددة، بوصفها توجها نحو إزالة الفروق بين مختلف الاتجاهات الفنية”.
وتابع: ان ما يشكله هذا المنجز من قيمة فنية في المشهد الفني العالمي المعاصر هو مضمون مفارقات شكلتها المبدعة وفق تأليف فني، طبعته الموازنة فعززت منطق المخرجات بإنجاز تشكيلي تفاعلي عبر خطوطها المستوحاة من الحضارة الاسلامية، حيث شكلت عمق المساحة بأسلوبها المتفرد، وبأمانة في التعبير، ما جعل منجزها عملا ابتكاريا متفردا، تخطت به حدود الفن في نطاقه المعتاد إلى إنتاج فني جديد معاصر، تتوزع فيه الأشكال التعبيرية النادرة، والعناصر اللونية المتباينة، والإضافات الشكلية المعاصرة، والنّسْج التكاملي المبهر بين فن الخط العربي والتمثلات التشكيلية الواقعية والرمزية والعلاماتية واللونية، لتغذي المادة الفنية بموتيفات قوية مدهشة.
وأوضح:”أن كل هذا ينم عن التقنيات العالية التي تتوفر عليها المبدعة وئام عباس، فضلا عن المهارات الفائقة، والقدرات التحكمية العالية، والطاقة الإبداعية التي تشكل خزانا للمعارف التشكيلية، فتبث التصورات من منطلق واقعي تستهدف به المعنى الدلالي في عمق الفن المعاصر. إنها تؤصل لثقافة تشكيلية تواصلية وفق مفردات فنية وعناصر تشكيلية، تخص التعبير بالقيمة الرمزية، وبقيمة الحرف البلاغية، وبدقة النظم الفني، في مَشاهد تُشكل إعادة تشكيل خط الثلث في عمق المادة التشكيلية من منظور فني آخر، الشيء الذي يفضي إلى فضاء تتحدث فيه المبدعة لغة فنية معاصرة، يُزال فيه مجال الحجب ليشمل دحض البناءات الفراغية في نطاق تفاعل جدلي بين المكونات الفنية الثابتة، والتدفقات اللونية المتنوعة، فضلا عن تشكيل نسيج من المسالك التحاورية، والأدوات التحولية، التي تصنع أفقا تعبيريا وتصوريا موحدا”.
وختم:” أن الفنانة وئام تقدم المادة الفنية في فضاء جمالي وتعبيري، تشكل من خلاله مساحة تشكيلية مليئة بالعديد من المعاني والدلالات. فالمبدعة تستطيع بمنجزاتها الكبيرة في التشكيل والخط العربي؛ أن تلهب عددا هائلا من مفردات لغتها الفنية على نحو كلي من الجمال، لتتبدى هذه التجربة الغنية ذات تصورات وإلهامات تبدو معالمها جلية في مختلف الأشكال المبهجة، وفي الصياغات الفنية الرائقة، وفي عدد من التراكيب الجمالية المتقاربة، والمدججة بالحركات المتتالية”.



