حواسم ثقافية

هيثم جبار..
مفردة الحواسم معروفة لدى العراقيين ، وباختصار هي الاستحواذ غير الشرعية من قبل المواطن على قطعة أرض أو أي سلعة عائديتها للملك العام ، في الاونة الأخيرة آخذت مفردة الحواسم تشمل الكثير من الظواهر غير الشرعية والقانونية، فمثلا الجندي الذي يحصل على رتبة ضابط ملازم أو نقيب أو رائد ، بدون ان يدخل كلية عسكرية اصولية كان يسمى ( دمج ) اما الان أطلقوا على كل من يحصل على رتبة غير اصولية بالحواسم ، ضابط حواسم ، كذلك اصحاب الشهادات العليا فهناك من يبْيض قذاله من فرط السهر والدراسة لحصوله على شهادة الماستر أو الدكتورا، وهناك من يحصل عليها بدون سهر ولا دراسة ، بمجرد ان يكون عضوا في البرلمان تأتي اليه الدكتورا ركضا، فشهادته حواسم .
هذه الشخصيات التي تهيمن وتُحوسم وتجعل لها مكانا في شتى الحقول المعرفية والسياسية والادبية ازدادت تكاثرت بشكل ملحوظ، الا درجة يصعب على الإنسان غير المختص بأحد هذه الحقول التمييز بين الحواسم وغير الحواسم ، ولا سيما في الوسط الثقافي.
لا أتحدث عن الصحفيين والمراسلين الذين لا يعرفون ان يصنعوا جملة مفيدة في لقاءاتهم ولا سيما اذا كان البث مباشر ا في الشارع مع عامة الناس ، ناهيك عن تدميرهم للغة، ولا عن الفنانين الذين أصبحوا بالآلاف بل سأتحدث عن الأدباء الحواسم الذين وصل عددهم الالاف أيضا، فالمقياس الذي يتخذه اتحاد الادباء والكتاب العراقيين لمنح هوية الاتحاد من اتفه المقاييس في العالم، الا وهو ( كل من لديه كتاب مطبوع يستلم هوية الاتحاد ) ولا شي أسهل من هذا .
قبل يومين كنا في كاليري الفنان التشكيلي حامد سعيد انا وصديقاي المفضلان الروائي القاص جابر خليفة جابر والشاعر فاضل السراي، وكان قد أُهديَ لاحد الاصدقاء كتابا يحمل عنوانات كبيرة في محتويات فصوله ( الازدواجية الفكرية ، الأصول والتأصيل في نظرية النقد الأدبي، الارتحالات الفكرية المعاصرة ، المنهج البحثي في النظرية النقدية …..وغيرها من المصطلحات والعنوانات الكبيرة ونحن نعرف صاحب هذا الكتاب لم يكتب مقالة واحدة في حياته، لم نقرأ له لا في مجلة ولا في جريدة اي مقال ادبي، ولا يحمل غير شهادة الابتدائية أو المتوسطة بل لم ولن يستطع التحدث بجمل مفيدة ، فضحك الاستاذ حامد سعيد وقال أرى هذه المصطلحات كبير على صاحب هذا الكتاب والله انه حواسم .
المشكلة ان هؤلاء الادباء الحواسم او الطفيليات الذين يعتاشون على غيرهم تجدهم في كل محفل ادبي ، في كل مناسبة ، في كل مهرجان ، بل هم من يصنعون محافلهم ويقيمون جلساتهم، والاعلام المفلس معرفيا ينشر لهم في القنوات الفضائية والمواقع الاليكترونية حتى أصبحوا مهيمنين على المشهد الثقافي ، وهذا ما أشارك اليه آلان دونو في كتابه نظام التفاهة.



