أعمال التشكيلي عمار النعيمي.. محنة الوجود الإنساني في عالم مضطرب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد رحيم يوسف، ان التشكيلي عمار النعيمي يجسد في أعماله التحتية، محنة الوجود الإنساني في عالم مضطرب.
وقال يوسف في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “قدم الفنان عمار النعيمي المتخرج من اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، قسم الفنون التشكيلية فرع النحت في العام ١٩٩٤ معرضاً فنياً نحتياً لافتاً، اتسم بالغنى والتنوع في المعروضات، مستعيناً على ذلك، بقدرات فنية رفيعة أهلته لتقديم مشروعه الفني الجمالي، مستخدماً في تنفيذه مواد متعددة كالبرونز والبلاستيك والـ pvc والزجاج والحديد تبعاً لرؤاه في التنفيذ”.
وأضاف: ان “النعيمي وفي معرضه النحتي المقام على قاعة برونز في بغداد وفي عنوان المعرض (ممكن)، أكد قدرة الفنان على العودة للساحة الفنية مبدعا، بعد قطيعة استمرت لثلاثة عقود خلت، عاشها بعيداً عن النحت، وهو يمارس فن تصميم الديكور، لكن وباء الكوفيد 19 الذي اجتاح العالم منحه الوقت للعودة مجدداً الى عالم النحت الساحر، فانتج مجموعة كبيرة من الأعمال النحتية المدهشة التي عرض البعض منها في معرضه الحالي (ممكن)”.
وأوضح: توزعت اعمال المعرض على مدارس فنية مختلفة (واقعية وتجريدية وواقعية تجريدية) لكن الغلبة كانت للتجريدية التي حمل الفنان فيها بعض الأعمال الكثير من الرمزية التي تجعل المتلقي يتفاعل ويطيل التفكير اثناء التلقي من أجل تفكيك شفرات تلك الاعمال، لان الفنان يفترض متلقياً يمتلك وعياً متقدماً يساهم في فهم قصدياته وكذلك في إنجاح العرض، وقد خضعت عملية العرض إلى خبرة الفنان في تصميم الديكور كما أشرنا، هذه الخبرة التي جعلته يستغل المساحة الموجودة في قاعة العرض بطريقة مثلى بحيث انه تمكن من الموازنة فيها بين الكتل النحتية المعروضة والفراغات ضمن آلية العرض.
وبيّن: “كان لامتلاك الفنان عمار النعيمي للخبرات الجمالية والرؤى الفنية المتطورة أثر واضح في تجسيد أعماله التي تشع بالجمال، تلك الخبرات التي جعلته يتعمد وبلمحة ذكية، من ان يضع عملا تجريديا غاية في الجمال، هو عبارة عن كتلة نحتية دائرية محززة تمتد في فضاء القاعة باتجاه ملامسة السطح، بملامح تجريدية صرفة، مثبتة على نابض مرتبط بقاعدة مربعة الشكل، وقد اعتلى قمتها مشخصا لحشرة اليعسوب، ان وجود النابض منح الكتلة حرية الحركة في جميع الاتجاهات ، ولكن بفعل فاعل ، مما يجعلنا ندرك حجم الثقل المكبل للكتلة التي اتسمت برمزية عالية ، لأنها تمثل العلاقة بين الحركة والسكون ، أو التقييد ومحاولة الفكاك والطيران ، لأنه تعمد ان يضع اليعسوب في أعلى قمة الكتلة ، واليعسوب كما هو معروف هو الحشرة الوحيدة التي تستطيع الطيران في مختلف الاتجاهات دون ان يحدها عائق ما ، ولذلك فإنها أدت الغرض من استعارتها على أكمل وجه ، وبرأيي فان وضع هذا العمل في منتصف القاعة ، كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرا جماليا ، لو كانت قاعة العرض مربعة مثلا”.
وواصل: “ومع ان البعض من الأعمال نفذت بغرائبية ، لكن تلك الغرائبية تجعلنا بالتأمل الدقيق من اكتشاف العديد من الأشكال والتكوينات الصغيرة التي تبث الجمال ضمن التكوين العام لكل عمل ، سواءً كان وجودها قصديا أو بلا قصدية ، كما ان بإمكاننا ان نلحظ ، ان الفنان عمد الى تجسيد العديد من الثنائيات في تنفيذ الكتل المعروضة ، تلك الثنائيات التي تختزن الكثير من الجمال والسحر والعاطفة ، مما يبدد حدة التجريد المطلق ، لكنه في الاعمال الأخرى ، يعمد إلى تجسيد محنة الوجود الانساني ووحشته في عالم مضطرب متقلب ، يجعله يشيح بوجهه ازاء هذا العالم الذي لا يشعر بالتوافق معه ، ولكن هل يمتلك خيارا آخر ، وهذا ما مثله في مشهد يمثل سيدة ادارات ظهرها للعالم في مهب رياح عاصفة وهي تقف على قاعدة دائرية ، ثابتة بفعل التآكلات المتعمدة فيها واعني الدائرة”.



