الفساد يدفع بـ”سفينة المتقاعدين” الى قاع الحرمان

المراقب العراقي/ المحرر الاقتصادي..
تضرب آفة الفقر ما يقارب الأربعة ملايين متقاعد في العراق، لا يزالون تحت سياط المتاجرة بمعاناتهم عبر سنوات اهدرت أعمارهم من دون حل أو جدوى، لصرخات الجوع وفتات ما يصل من الرواتب الشهرية، الذي تستنزفه أيام الشهر الأولى، وبرغم التطمينات التي تتلقاها سنوياً هذه الشريحة الواسعة من العراقيين، لكنهم مطمئنون مع واقع لن يتغيّر، يستمر في سحق بطونهم كما سحقت الدوائر الحكومية حقوقهم عبر ثلاثين عاماً من الخدمة.
وشهدت بغداد والمحافظات طيلة العشرين عاماً الماضية، تظاهرات تطالب بإنصاف شريحة المتقاعدين، إلا ان عوائق كثيرة حالت دون تحقيق جدوى أنصافهم في صدارتها آفة الفساد التي تهيمن على مخرجات الأموال في كل موازنة سنوية، فضلا عن استخدام الملف كورقة للمتاجرة من بعض السياسيين الذين يستخدمون هذا السيل الهائل في الانتخابات.
وتماشياً مع موجة المطالبات، أطلق رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، حزمة من الإجراءات قال بانها تنظيمية تدعم هذه الشريحة الواسعة المنكوبة.
وبحسب وثيقة صدرت من مكتبه، فان الإجراءات تضمنت “شمول المتقاعدين بقطعة أرض سكنية لغير المستفيدين، وصرف مكافأة 500 ألف دينار للموظف في يوم انفكاكه من دائرته”، فضلا عن تخفيضات السفر وغيرها التي اعتبرها المتقاعدون “ذر الرماد في العين”.
وبرغم أحاديث برلمانية عن قانون ينصف المتقاعدين، إلا ان الجدل السياسي والمنافع الحزبية كثيراً ما تدفع بهذا القانون الى الخلف، وتتركه في رفوف غطاها تراب النسيان، وكأنه تحول الى ورقة للاستعراض وقت الحاجة لهذا السيل الهادر من المواطنين.
وقريباً من الحملة الدعائية التي رافقت الحزمة الأخيرة التي تحدثت عنها دائرة التقاعد، لكن موجة مضادة أخرى انتقدت ما رشح مؤخراً، اذ يرى مراقبون لوضع المتقاعدين المأساوي، ان التعقيدات التي ترافق معاملات المحال على التقاعد وحدها “تؤشر طريقة من الاذلال الذي يتعرضون له”.
وعلق مدونون على مواقع التواصل الاجتماعي تعقيباً على تلك القرارات الأخيرة التي وصوفوها بانها لا تحمي هذه الشريحة من وجع الفقر والعوز الذي يرافقهم طيلة الشهر، مشيرين الى ان قطعة الأرض التي جاءت من ضمن حملة الانصاف الأخيرة “حق من المفترض ان يتمتع فيه الموظف قبل الوصول الى سن التقاعد أو اليأس”.
وفي السياق، دعا الخبير الاقتصادي واثق الجبوري الى ضرورة اصدار تشريعات تحمي هذا الشريحة، بدلا من القرارات الثانوية التي لا تحقق متطلباتهم الأساسية.
ويوضح الجبوري في تصريح لـ”المراقب العراقي”، ان “المتقاعدين يدفعون ضريبة غلاء الأسعار وفوران السوق مع مرتب لا يحميهم، مشيراً الى أهمية دعمهم وحل مشكلتهم جذرياً، بدلا من الإجراءات التي لا تنهي تلك المعاناة التي تلاحقهم”.
ويقترح مختصون، ان تذهب الحكومة نحو كتابة مسودة قانون يرفع من قيمة المرتب الشهري لحماية الموظفين بعد سن التقاعد وارساله الى مجلس النواب، لإنهاء الخيبات التي تهدد الملايين من المواطنين الذين ينتظرون الفتات الشهري الذي يصلهم من هيأة التقاعد.
وتعمل الدول التي تحترم نفسها على إيلاء شريحة المتقاعدين جملة من الامتيازات التي تحميهم من ضربات الحياة وتقلبات الاقتصاد تثميناً للجهود والخدمات التي قدموها خدمة لمواطنيهم، إلا في العراق فان الواقع معكوس تماما.



