استمرارية الفن التشكيلي في لبنان

هناء عبد الخالق
إذا كانت الكوارث تضعنا أمام تحديات مصيرية، بحيث لا تظهر فقط الجانب المظلم للبشرية، بل قد تظهر الجانب البطولي فيها، وهذا الأمر يعتمد على طبيعة كل فرد في المجتمع.
وكما وقف الفنان اللبناني ضد كوارث الحروب ومشعليها، فقد وجد أن سلوك السلطة السياسية خلخل توازن الطبيعة، ودفع بنا إلى هوة عميقة الأغوار، إما الاستسلام والنزاع في القاع أو المساندة والاصرار بابتكار خطط التسلق للنهوض حتى لو وصلنا منهكين.. نحن الآن في القاع ولا ندرك حجم المخاطر والمؤامرات التي تحاك لانتشالنا والقرار بيد جلادينا، معادلة صعبة وخطيرة لكن الاستسلام مرفوض.
وإذا عدنا إلى سؤال هل ينتج الفنان اللبناني فناً مختلفاً؟ أم هو مجرد قفز في الهواء كي لا نغرق؟ نستطيع القول، إن حقل الممارسة الفنية هو على تماس مباشر مع حقول الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فالفنان في مواجهة مع معطيات مادية ملموسة تنسج علاقات ما يسميها نيكولا بوريو بـ”الفن العلائقي” وهو الفن الذي يكوّن علاقات إنسانية حيث يقول «لا يكون للشكل الفني وجود حقيقي إلا حين يتأسس على التفاعلات الإنسانية». وتقوم هذه الجمالية العلائقية على اكتشاف وتوظيف الواقع عبر العمل الفني لأنه واقع متحول ومتحرك، يصبح فيه هذا العمل الفني تجربة. وهذه التحولات المستجدة على الحقل الفني في لبنان، دعت إلى مراجعة ماهية الفنان الذي لم يعد ذاك الموهوب والمبدع الساكن في عليائه، وإنما هو ذاك الإنسان المشتت الباحث عن أبسط حقوقه الإنسانية، يحيك التجارب، مؤكدا في كل حين غياب الأنا تماماً عن المشهد والاندماج في الجماعة، يشاركها التعبير عن الخوف والقلق والمصير المشترك، لذلك هذه المعارض بغض النظر عن نسبتها، وصعوبة تقييمها حالياً كنتاج مختلف عما سبقه، نستطيع القول إنها تؤكد التصميم الإبداعيّ والعزيمة القوية، تحقق المراد بتحريك المياه الراكدة في مستنقع الخسارات، هي قفز في الهواء لبثّ الحياة كبارقة أمل يسطع لونها في سماء ضبابية باهتة.



