ذكرى حزينة

هيثم الطيب..
لم يكن موت سوادي كاظم فاجعاً فقط، بل يمكن وصفه بصورة أشد فنقول، أنه كان مؤلماً وقاسياً أيضاً، ولعل حياته لم تكن مثيرة بإستثناء، أنه عاش مصاحباً لحروب كونية ثلاث، وأنه قد تزوج من امرأة أنجبت له أربعة عشر طفلاً.
ومع أنه لم يذهب إلى الحج، إلا أن الجميع، دأب على مناداته بالحجي، وربما كانت لدى الناس ذرائع شتى لكي تنسب إليه الكرامات، فالرؤيا التي رآها إثناء موته الأول في العشرين من كانون الثاني جعلت الكثيرين يؤمنون بأهمية الرؤى كونها وقائع قد تحدث.
في موته الأول، أغمض عينيه وتوقف عن كل شيء، صارما في تقاطيع وجهه، وعيونه تدمع عندما يتذكر الخيبات والمسرات التي رافقت رحلته العظيمة من الجنوب إلى هذا المكان حتى أنه قال لنا: أنها تشبه حلماً متقطعاً. لم يره أحد مبتهجاً في كل أوقاته، برغم أن الوقت داهمه مراراً عديدة، حتى بدا أكبر من عمره بعشرين عاماً، قال لصاحبه، من الضروري أن تعيش مرة أخرى، لا شيء يدعو للسخرية من هذا الكلام، بل أنه ملائم لهذا الشيء الذي نراه، كان يردّد:
أيها الفرح لا تتأخر
لن أغلق هذا الشباك
لن أدع تلك الشجرة تنتظر
أيها الفرح
سوف أمحو كل ذكرى حزينة
في أيامه الأخيرة، أطال النظر إلى الأرض وقال: هذا ما نحتاج إليه حين تكون الشمس متوهجةً، ففي النهاية ستكون الحياة ليست مُبهجةً، كما قالت له امرأة الحقل، ولأجل كلامها هذا إستحمّ، ولبس ثياباً زاهيةً، وتزوج من امرأة كانت بشرتها بيضاء كالثلج، وتوسد ذراعها ونام.
عندما كنا نتهيأ لمراسم دفنه، كان يجب أن نظهر في مظهر جيد، يتناسب مع هذه الواقعة المؤلمة والحزينة، لأنه والحق يقال، كان روحاً عظيمةً لأسلاف عظام، تملأ الأرجاء بالخشوع والقدسية، كان شاهداً، إذ رأى كل شيء، واقترب من كل شيء، وحافظ على الأمانة والحكمة والصواب في القول، وتفانى حتى في ميتته.



