الفن التشكيلي العراقي يعيش عزلة اجتماعية مخيفة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الكاتب والناقد شوقي كريم حسن أن الفن التشكيلي العراقي يعيش عزلة اجتماعية مخيفة وباتت المرسومات تتشرب ببرودة القاعات أكثر مما تهيم وجداً بنظرات أناس خلق اللون من أجل إمتاعهم وإشعارهم أن الحياة تاريخ من الألوان.
وقال حسن في قراء نقدية خص بها ” المراقب العراقي “إن التشكيل، أطلقته الكهوف فتمرد على الفقراء فالفن اللوني لم يستطع الخروج عن الواقع،رغم تعدد مدارسه واللون هو الأساس الجاذب، ومن ثم تأتي المكملات التشريقية الأخرى.
واضاف : مرة أصابني الجنون، حين رحت أهتم بالمنابر اللونية الأولى، من أين ابتدأ التجسيد اللوني على جدران الكهوف، ولم عشق الإنسان الرسم إلى الحد الذي صار الأقرب إلى الأرواح وغدت الحكايات المرسومة الأهم والأرقى.
وتساءل : هل كانت رسومات الآباء الأوائل تشبه الشريط السيمي؟ رسومات دقيقة الألوان، حادة التقاطيع، تعمل على إظهار البطولات وتمجيدها.
وتابع :لولا هاتيك الصخور العملاقة وأزاميل النحات، وابتكار الألوان، واستخدامها بهذه الطريقة الراقية وفائقة الدقة ما كانت الإنسانية — بعد هذه الدور — تعرف شيئاً عن الإرث الإنساني للفراعنة وملوكهم… الحجر هو الحَكّاء الأول، يصاحبه عقل تلويني مشع، وعلوم أنتجت كل ما يمنح ذاك الحجر هيبة وجبروتاً ،مرة، تمنيت لو أني جلست أمام ملون مصري ماهر ورأيته كيف يجعل الألوان تحكي مكان اللون ليعيش لولا الحجر والحكاية ،تلك فكرة مذهلة، اللون خالق لكل ما عرف من حيوات أنتجتها الأذهان قبل ابتكار الحرف، وهيمنته على العقل البشري، بما فيهما اللون والحجر ،ماذا لو لم يبتكر الإنسان الحرف ،اللحظة الجريئة تقول (إن الإنسان ظل متمسكاً بالحكي الصوري إلى أزمنة طويلة،الصورة كانت اختصاراً لكل أنواع الثرثرات والخطابات .
واشار الى ان الوعي الرافدين، كما يسميه أستاذنا طه باقر، كان وعياً كونياً، تسحره كشوفات الأشياء، وحسابات الكون ومجراته، تحدى الأرباب، فعمل على ترتيب العلاقات بين المجهول وموجوده ،الإنسان الرافدين بدأ بهدوء يكون محيطه اليومي، وضع أيام الأسبوع، وأتبعها باللواحق، وصنع العجلة التي علمته أن ليس ثمة نهاية، كل ما هو موجود قابل للغياب والإعادة، وحين استقر على عرش مجده وشعر بالسعادة انتبه بكله — وهو ابن الماء والاخضرار — إلى الألوان وأهميتها، فبدأت رحلة التلوين التي تختلف تماماً عما في مصر.
واوضح: ان الألوان السومرية والأكدية والأشورية والبابلية أكثر دقة وألطف وأقل حدة.
كان الفنان الرافديني محاكياً يعجز أمام الابتكار أحايين كثيرة، لهذا نجد أن ما قدمه بسيط، خال من الدهشة، لكنه فعل فعلته مع النحت أيام كانت آشور… لم تترك أوروك، ولا أور، ولا كيش، أو لكش ملونات تؤرخ فنونها، ولكنها تركت نصباً وتماثيل جيء بصخورها من بلدان بعيدة، ولا أستبعد أيضاً أن النُّحات والفعل جيء بهم مع صخور بلدانهم ،بعد دخول عرب الجزيرة انتهت أحلام التلوين والنحت أيضاً لسنوات طوال.
وواصل: كان الملون العراقي عاجزاً عن إنتاج حتى لوحة واحدة وحين ظهر الملون الواسطي كانت رسومات، ما خرجت عن بداوتها، متناسية المدنية والرقي الرافديني عن أسس الحكايات المتوحشة، لم نر ما يمكن أن يبهر المتلقي ويوقظ بين جوانحه أحاسيس الجمال اللوني، لم تنتج بلاد الرافدين ملوناً واحداً ولا نحاتاً واحداً لمئات السنوات.
وبين :أنه حتى نهايات القرن التاسع عشر كان النحت والتجسيد والتلوين من المحرمات، لهذا وبعد سنوات قليلة راح الملون والنحات مقلداً أوروبا، يعرض ملوناته التي ما خرجت حتى منتصف الخمسينيات عن مهمة استقطاع مشاهد من الطبيعة الصامتة وتجسيدها،كان عبد القادر الرسام ابناً باراً للطبيعة ولولا المدارس التشكيلية الآتية من الآخر ما كان لجواد سليم، وعطا صبري، وقتيبة الشيخ نوري، ومحمد مهران، وجميل حافظ، وشاكر حسن السعيد ونوري الراوي أن يكونوا بهذه المهارة والإتقان.
واستدرك :لكن المشكلة القائمة حتى الآن أن الفن التشكيلي يعيش عزلة اجتماعية مخيفة، وباتت المرسومات تتشرب ببرودة القاعات أكثر مما تهيم وجداً بنظرات أناس خلق اللون من أجل إمتاعهم وإشعارهم أن الحياة تاريخ من الألوان يجب استغلالها، وعليها مغادرة القاعات.



