اخر الأخبارثقافية

لذة السرد

ياسين شامل..

لعلنا لم نفقد لذة السرد ونحن أطفال لعلنا تمتعنا بها من دون أن نعيها. كنا نصيخ السمع لجدّتنا، وهي تقص علينا تلك القصص المليئة بالخيال والوهم ونحن نعيش عوالمها ونتطلع إلى أن نجد الإجابات عن تساؤلاتنا البريئة الساذجة، فقد أحكمت جدتنا حبكة قصصها، أو نتخيل أنفسنا أحد أبطالها، نخترق الواقع بالخيال، لنتجاوز ضعفنا ونقصنا في عالم السرد العفوي الذي تخلقه تلك الجدّة بمهارة عالية، ونحن الأطفال نتحلق حولها، ففي قصصها من التشويق الكثير، فلا نريدها أن تتوقف عن الكلام أو تقطع أحداث قصتها، ربَّما كانت تكذب علينا بعفويتها الصادقة، ونحن يروق لنا كذبها “سردها”، إنها “تروي”، ونحن نصغي لما ترويه “لنا” أليست الروايات مليئة بالكذب اللذيذ، تأخذنا جدّتنا تطوف بنا في فضاءات كثيرة، تبحر بنا إلى بحار سبع، وتصعد بنا إلى جبال سبع، وتدخلنا في غابات، تغذينا من فواكها، وتحل أزمة بطلها، كأنها تجهزنا لعالم غابة الواقع القادم، وتطرق لنا المفاجآت، وفي نهاية كل قصة تجعل من كل فتاة وشاب والآخرين يعيشون عيشة سعيدة، فكانت النهايات ترضينا كأطفال، وننام ونحن سعداء، نحلم بمستقبل واعد وردي.
وكان جدّنا بعد العمر الطويل الذي قضاه في العمل كبحّار يجوب البِحار، جالساً على سريره الخشبي، يفرح لكركرتنا الناعمة، ولا يفارقه مذياعه المتنقل، وهو يستمع إلى نشرات الأخبار، يسردها عليه صوت مذيعة عذب، أو ينتشي مع أغنية بصوت “داخل حسن” الذي يثير فيه الشجن ويعيد له ذكرى الأهوار والبحار والمدن الغريبة، أو صوت ناظم الغزالي الذي يحيله إلى دجلة وبغداد ومقاهيها وملاهيها وشوارعها وأزقتها الجميلة. كان جدنا كريماً معنا لا يبخل علينا، كي نشتري ما لذ وطاب لنا. ويدندن مع الأغنية ولا يخرج عن لحنها حتى نهايتها.
وكلما يأتي شهر رمضان، تنشغل جدّتنا عنا مع أمنا في أعمال البيت وإعداد الطعام، فهي خاضعة صاغرة لتوجيهات وأوامر جدّتنا. ينام جدّنا في النهار ولا يحب أن يزعجه أحد منا، ربّما يحلم بذكريات سفراته الكثير، والشواطئ وحوريات البحر، وعندما يصحو يحادث نفسه بحديث مبهم لا ندركه، ربَّما ذاك حديث الشيوخ الكبار، وقبل الإفطار يكون قد فتح قرآنه، وأخذ يتهجد بصوته الرخيم، نحن “الثلاثة” نلعب بحذر وصمت في باحة البيت، وننتظر حتى يحضر ابونا من العمل، وبعد أن نسمع صوت المدفع ويرتفع الأذان نهب للأكل، جالسين متحلقين مع أفراد العائلة.
ثم نجلس وعيوننا مشدودة نحو “التلفزيون” كانت “ماركته توشيبا” بقياس 14 بوصة “أسود وأبيض” لم تصلنا “التلفزيونات” الملونة بعد، جلب أبي هذا “التلفزيون” من “دولة الكويت” في أحدى سفراته، وقد فرحنا به فرحاً شديداً، فقد كانت بيوت البسطاء تخلو منه.
يلتحق إلى بيتنا أولاد أقاربنا وبعض أولاد الجيران، ونحن نشاهد مسلسل كويتي كما أذكر “زمان الإسكافي” بطولة عبد الحسين عبد الرضا والممثلة سعاد عبدالله، وكنا مشدودين لمتابعة أحداثه، وقد نتابع “فوازير” نيللي أو غيرها، بالحقيقة كنا سعداء بحياتنا.
كانت الحياة جميلة، تمر بعفويتها، ولم نحسب حساب الزمن، ذلك الشي المطلق اللعين الذي لا يؤتمن. ما كانت مداركنا قد اكتملت، ولا تشكل وعينا، فلم نعرف إن للوجود أزمة كبرى، ولا الحياة كما نرى، كما هي حقيقتها قاسية مرة.
ربَّما لو علمت الكاتبة الألمانية “مونيكا فلودرنك” لضمنت قصتنا هذه في كتابها المهم “مدخل إلى علم السرد.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى