“شهيد العشق” .. رواية عن الإمام الحسين (ع) هزّت تركيا

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…
“شهيد العشق” رواية عن الإمام الحسين “عليه السلام” هزّت تركيا هزاً، وقد طُبعت في السنة الأولى 12 مرة، وكانت بين الكتب العشرة الأوائل في تركيا، وطبعت خمس مرات بعد ذلك، على الرغم من كون تركيا بلد سني المذهب، وليس شيعياً، وترجمت الى العربية والفارسية.
وُلد كاتبها السيناريست أحمد تورغوت في العام 1975، وكانت بداية شرارتها يوم كان في سن السادسة، حين كان يلعب الكرة مع أقرانه، فنشب خلاف، فذكر أحدهم اسم «يزيد» رمز الظلم، ولم يكن يعرف معناها في تلك السن المبكرة.
كانوا يجتمعون في شهر محرم ويبكون، ولم يكن يعرف سبب البكاء، وحين سأل الكبار أجابوه: «في مثل هذا اليوم تفتت كبد الرسول على الحسن والحسين». ولم يكن الكبار يشربون كوب ماء دون ذكرهما. وكانت جدته تقول له دائماً: «يا ولدي لا تنسَ كي لا تُنسى»، ويعلق قائلاً: «أنا لا أنسى وأتمنى ألا أنسى… وفي بيتنا كنا نتعلم على معرفة عائلة الرسول، ونحاول أن نعلّمها للأجيال التي تأتي بعدنا، وما تعلمته من عائلتي أحاول أن أعلّمه لأولادي». كانت تحدوه رغبة شديدة في كتابة قصة كربلاء وأهل البيت، وكان يقول لنفسه: «انتظر يا أحمد حتى تبلغ الأربعين».
عندما عاد إلى تركيا، وفيما ينتظر الحصول على فيزا للعمل في بلد آخر، التقى بمنتج مسلسل «وادي الذئاب»، فأظهر له اهتمامه بالكتابة، وكان بحاجةٍ إلى رأي خبير، فدعاه إلى تجربة الكتابة معه. وهكذا تحوّلت تجربة الانتظار شهراً إلى ثماني سنوات، حيث ظل يكتب سيناريو مسلسل «وادي الذئاب» المشهور، وكان الشخصية الرئيسة فقد زوجته وابنه فاستقال وعاش في عزلة، ويدور حوار بين الأب والابن: لماذا دخلت في هذه التجربة من البداية؟ فيجيب: «لقد تعلمت منك ومن الإمام الحسين (ع)، فلو لم يقف الحسين أمام يزيد لما تمكّن أحدٌ من مواجهته». ومنذ تلك اللحظة يقرّر الأب الوقوف بوجه الظلم ويجبر الظالم على دفع ثمن ظلمه. وهو مشهد حصل على الكثير من التقدير من قبل الجمهور كما يقول تورغوت، فـ «راية سيدنا الحسين “ع” هي راية الثائرين ضد الظلم، وإن شاء الله لن نترك هذه الراية».
كان ينتظر بلوغ الأربعين، حين يصبح الإنسان ناضجاً ويكتمل تفكيره. ولكن حدثاً إجرامياً دفعه لتغيير موقفه، وهو تفجير مقام الإمام العسكري (ع) في سامراء (على يد عصابات القاعدة). وكان المذيع يكرّر خبر التفجير ويعيد أن المقام الشريف المستهدف هو للشيعة، فيردّ أنه ليس خاصاً بالشيعة وإنما لكل المسلمين، فهو لأولاد الرسول (ص) والحسين (ع). هذا الحدث الإجرامي هو الذي دفعه للبدء فوراً في كتابة الرواية المؤجّلة.
كتابة رواية عن كربلاء الحسين (ع) مهمةٌ شاقةٌ بلا ريب، فنحن نبكي حين نكتب عن الحسين، وتعانق الدموع الورق، ونحن نستعيد مشاهد كربلاء. بعض الناس يتعلمون من خلال القراءة، لكن الأكيد أن «التعلّم من خلال الكتابة أمر أصعب». يقول تورغوت: «توجد رموز لكل تأمل، هناك رموزٌ للأسماء الحسنى ولكل أحداث التاريخ، أما الرموز التي أثّرت فيّ جداً فهي رموز عاشوراء، من هنا قال الإمام الصادق (ع): “كل يوم عاشوراء وكل يوم كربلاء”.
كان يفكر أن يسمّيها «القيامة»، وهي بالفعل «قيامة وأرض المقاومة» كما يقول. وتولستوي استخدم القيامة في الكثير من كلاسيكيات الأدب الروسي. وفيما كان حائراً في اختيار اسم الكتاب، اقترحت عليه زوجته ذات صباح: «لماذا لا تسمّيه شهيد العشق». ويعلق: «لقد قفزت من الفرح. فقد كتبت 470 صفحة بقلمي، لكن العنوان من كلمتين كتبته زوجتي».
من تأملات الكاتب البديعة: «نحن بالإجماع نرى كربلاء على أنها وحشية وإجرام… لكن هناك صفحات بيض أبطالها علي بن الحسين وزينب والابنة فاطمة». ويهاجر إلى أعماق التاريخ فيقول: «كانت هاجر تركض بين الصفا والمروة للبحث عن ماء لطفلها، فلما عادت إليه وجدت الماءَ عند رجليه، أما من سعى للماء في كربلاء فهو العبّاس بن علي (ع)، واستشهد من أجله، والاستشهاد من أجل (إحضار) الماء (للأطفال العطاشى) أصعب من البحث عنه، ولذلك لم يتفوّه بكلمةٍ إلا بعدما تمزّقت القربة».
بدأ تورغوت كتابه بالحديث عن رحلة الحسين (ع) من المدينة لمكة، وكانت بعد ستين عاماً من رحلة الرسول (ص) من مكة للمدينة، و«لذلك يجب أن نقدّر هذه الرحلة» كما يقول. وتنتهي الرواية بيوم عاشوراء حيث بدأت القرابين تصعد بأجنحتها نحو السماء. وفيما كان يتحضّر للكتابة، بدأ بالصلاة، وكان يخاطب الزهراء (ع) أم سيد الشهداء: «يا أماه: في هذا اليوم تفتت كبدك قطعة قطعة. أنا فقط أمسكت قلماً ووقفت جانباً لأشاهد وأكتب بضع كلمات، أنتِ من احترق قلبها».
في تلك الليلة الحزينة، وكان نائماً، رنَّ الجرس عند الواحدة والربع فجراً، وكان على الطرف الآخر زوجة أخيه تخبره بوفاة زوجها. قام ليصلّي ويدفن أحزانه، وأثناء السجود عاوده طيف الزهراء (ع)، فأخذ يخاطبها: «يا أماه: إن قلبي يحترق. أنا حزينٌ لوفاة أخي، أشعر بنار داخلي، فكيف كان شعورك لقتل بنيك ؟».



