ظاهرة «دينامو تفكيكية» تضرب المنطقة بقوة الأزمة البنيوية وانهيار مفهوم الدولة … بوادر تحلل الطبيعة النظمية للحضور العربي في نظام الشرق الأوسط

انطلقت الدعوة الأولى لتأسيس شرق أوسط جديد في عام 1993 من قبل رئيس دولة إسرائيل التاسع «2007 – 2014»، وأحد أحد أهم ساستها قاطبة منذ نشأتها وحتي اليوم، «شيمون بيريز» في محاولة لدمج إسرائيل في نسق تعاوني مع بقية الدول العربية في إطار النظام الشرق أوسطي كانت تلك الدعوة تحاول، استنادا إلى مفاوضات السلام العربية-الإسرائيلية التي انطلقت في مدريد عام 1991، تأسيس نسق تعاوني، بل وتكاملي، يعيد صياغة التفاعلات العربية-الإسرائيلية التي شكلت الجزء الأهم والغالب من النظام الشرق الأوسطي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية راهنت تلك الدعوة على ما بدا آنذاك خللا كبيرا في توازن القوى بين إسرائيل والعرب، بعد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي بشكل تام، إثر سقوط الاتحاد السوفيتي، وما بدا من تفسخ في النظام الإقليمي العربي، عقب غزو العراق للكويت 1990 إلا أنه منذ ذلك الحين، وحتي اليوم، لم يتطور الشرق الأوسط في اتجاه هذا النسق التعاوني المتصور من قِبل «بيريز» وإن فقد نسق التفاعلات العربية-الإسرائيلية الجزء الأغلب من طبيعته الصراعية، باستثناء ما بقي من صراع حول توازن القوى بين الدولة الصهيونية، وما كان يسمى يوما دول الطوق العربي، وهي مصر، وسوريا، ولبنان، وبدرجة أقل نسبيا الأردن لم يكن الإخفاق في تأسيس شرق أوسط تعاوني جديد نتيجة رفض عربي لطروحات «بيريز» بل إن الدول العربية قدمت في مؤتمر قمتها ببيروت عام 2002 مبادرة تكاد تتماهي ودعوة «بيريز» مشترطة فقط إعلان دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإنما تأسس الإخفاق في بدء بروز مؤشرات تحول، أبعد مدى وأخطر أثرا، أنبأت بحدوث تغييرات أكثر عمقا تشمل الطبيعة الهيكلية للنظام الشرق أوسطي، وليس فقط أنساق التفاعلات السائدة فيه وأحجمت إسرائيل، التي انطلقت منها بداية الدعوة لتأسيس شرق أوسط جديد، عن الوفاء بأي متطلبات لتحقيق سلام حقيقي بينها وبين الفلسطينيين، أو محيطها العربي الأوسع نطاقا بل عمدت إلى تكريس سيطرتها علي الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، والرهان على زيادة الخلل في توازن القوى لمصلحتها في مواجهة الأطراف العربية جميعا .برزت محاولة إسرائيل استغلال انخراط الدول العربية في أنساق صراعات أخرى، سواء فيما بين بعضها بعضا أم بينها وبين دول جوار أخرى، أو داخل هذه الدول العربية ذاتها، حيث سعت إسرائيل إلي إعادة هيكلة تفاعلاتها مع الدول العربية عبر ثلاثة مسارات أساسية, إما تأسيس أنماط احتواء لبعض الدول العربية، من خلال تعزيز العلاقات الإسرائيلية التعاونية، بل والاستراتيجية، مع بعض دول الجوار العربية المنخرطة، أو المرشحة للانخراط، في تفاعلات صراعية مع بعض الدول العربية، وبرز ذلك بوضوح في حالتي سوريا ومصر، من خلال تطوير علاقات إسرائيل مع تركيا، ودول حوض النيل على التوالي، أو محاولة اختراق البعض الآخر من الدول العربية التي اهتزت وحدة أراضيها بشكل خطير، مثلما حدث مبكرا مع مناطق, الأكراد في شمال العراق، ومع بعض فصائل المعارضة السورية، عقب تفجر الأزمة السورية في 2011، أو أخيرا، محاولة فتح قنوات تعاون سرية وعلنية مع البعض الثالث من الدول العربية، إذا ما توافقت رؤية هذا البعض لاتجاهات التهديد الاستراتيجي مع الرؤية الإسرائيلية وكان بعض شواهد هذا التعاون حاضرا بشكل محدود في بعض جوانب علاقة إسرائيل مع مصر، خاصة فيما يتعلق بالخطر الإرهابي الذي يستهدف شمال سيناء ولكن تجلت هذه الشواهد بشكل بارز في محاولات تنسيق إسرائيل مع دول الخليج العربية فيما يتعلق بإيران ودوائر نفوذها الإقليمية، سواء في لبنان أو سوريا وإجمالا، فإنه يمكن القول إن هذا التحول في إدراك معنى الشرق الأوسط الجديد وآفاقه المحتملة، من حيث انطلقت دعوته الأولى، يكشف عن أن إسرائيل وغيرها من دول جوار النظام العربي باتت تراهن، ومنذ وقت مبكر نسبيا، على تحلل الطبيعة النظمية للحضور العربي في النظام الشرق أوسطي وكشفت تطورات العقدين الماضيين، منذ ذلك الحين وحتي اليوم، عن أن عوامل التحلل لم تطل فقط ما كان متبقيا من فاعلية الحد الأدني للنظام العربي، ومن إدراكه كنظام إقليمي، بل إنها طالت مفهوم الدولة العربية ووجودها، حيث تصاعدت حدة الأزمة البنيوية التي تواجهها هذه الدولة وشرعيتها، حتي بات بعضها يواجه خطر الانهيار والتفكك الفعلي، بينما يجاهد البعض الآخر لاحتواء تنامي عوامل الصراع والتفكك الداخليين في ظل هذا الواقع العربي المأزوم، تعددت في الفترة الأخيرة الرؤى والسيناريوهات التي تحاول استشراف آفاق إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أو الدفع في سبيلها، مثلما تجلى في طروحات تقسيم العراق وسوريا، التي روجت لها بعض الدوائر الرسمية في الإدارة الأمريكية وبات عنوان إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط أحد العناوين الرئيسية في الكثير من التقارير والمقالات الصحفية، والأبحاث العلمية، التي تنشرها كبريات الدوريات، ومراكز الأبحاث المعنية بشئون العلاقات الدولية، ومستقبل السياسة العالمية ورغم قدرات الصمود في مواجهة سرطان التفكك الطائفي والإثني، التي برزت في كل من مصر ودول الخليج العربية، مع اختلاف معطيات هذا الصمود في كلتا الحالتين، فقد ظل سيناريو التفكك الطائفي غالبا في السيناريوهات التي يتم طرحها للتعاطي مع مستقبل المنطقة، فيما بدا تجسيدا لنجاح استراتيجية الفوضي الخلاقة التي سعت الولايات المتحدة لإطلاقها في المنطقة، وكشفت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، “كوندوليزا رايس” عام 2005، بعدما تبين ارتفاع تكلفة أوهام إعادة الهندسة الأمريكية المباشرة للمنطقة ودولها وقواها، عقب غزو العراق عام 2005 وقد بلغ خطر التفكك الذي كان يمكن أن يهدد المنطقة مداه مع إعلان الرئيس السوري، بشار الأسد، في 26 حزيران 2015، أن قواته ستتراجع إلى أراض يمكن الدفاع عنها، وأنه يواجه نقصا في عدد قواته، وأنه بات يعول بشكل رئيسي على الدعمين الروسي والإيراني كان هذا الإعلان كاشفا عن عدم قدرة النظام السوري على مواصلة الصمود في مواجهة الدعم الذي تلقاه الجماعات المسلحة، المدعومة من تركيا والسعودية بشكل رئيسي، خاصة بعد توافق الدولتين على توحيد قوات الجماعات الموالية لهما، في إطار ما عرف بـ”جيش الفتح” مثّل هذا الإعلان إنذارا صريحا باحتمال انهيار النظام السوري، ومعه ما بقي من الدولة السورية حتى على مستوى وجودها القانوني، لكنه أيضا كان إنذارا بأن قوى السلفية الجهادية باتت قاب قوسين أو أدنى من إسقاط أول دولة عربية بشكل كامل، واحتمال تمدد مخاطر التفكك سريعا إلى دول عربية أخرى تعاني عوامل هشاشة أمنية واجتماعية حادة بعبارة أخري، كان هذا الإعلان إنذارا بأن ظاهرة “دينامو تفكيكية” قد تضرب المنطقة بقوة وبقدر ما استحث هذا الإنذار تدخلا عسكريا روسيا وايرانيا مباشرا في الحرب الأهلية السورية، أتاح حدوث انقلاب استراتيجي في سيرورتها، فقد أشار طابعه غير المسبوق كذلك إلى أن عملية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتحديد مستقبل المنطقة لن يكونا فقط نتيجة لأزمة الدولة العربية والمنافسة الإقليمية على النفوذ في مناطق الهشاشة العربية، وسياسة خفض الانخراط الأمريكية، ولكنهما سيستدعيان تدخل قوى دولية أخرى، وأن عصر الانفراد الأمريكي بضبط البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة قد انتهي وهناك بعض التساؤلات الرئيسة حول محددات التغير في الشرق الأوسط، والتحديات التي يطرحها, كإعادة تعريف موقع الشرق الأوسط في السياسة العالمية, فقد عُرِّف الشرق الأوسط تقليديا بالنظر إلى موقعه من القوى الأوروبية الرئيسية التي شهدت انطلاق الثورة الصناعية في القرن السادس عشر الميلادي، وبالمقارنة مع مناطق الشرق الأقصى في الصين، وجنوب شرق آسيا، وهي المناطق كثيفة السكان، والغنية بالمواد الخام اللازمة لازدهار الصناعة الأوروبية الوليدة كان الشرق الأوسط بالتالي يقع علي طرق الملاحة والتجارة الدولية الرئيسية في ذلك العصر، مما استحث حركة استعمارية قادتها الدول الأوروبية الكبري للعديد من مناطقه وأقاليمه، مسلحة بقدرة نيرانية متفوقة وغير مسبوقة في تاريخ الصراعات الإنسانية حتي ذلك الحين ومع مطلع القرن العشرين، بدأت تبرز أهمية النفط، الذي تمتعت المنطقة، وفي مقدمتها بلدان الخليج العربي، بثروة وافرة منه، بعدّه المصدر الرئيس للطاقة في العالم المعاصر، وارتفعت بالتالي أهمية الشرق الأوسط على سلم السياسة الدولية، وباتت الهيمنة على الشرق الأوسط وضبط تفاعلاته إحدى أهم ركائز القوة الدولية القائدة للنظام الدولي وشكل التنافس الدولي على الهيمنة على الشرق الأوسط الاتجاهات الرئيسة للحرب والسلم في المنطقة طوال القرن العشرين، بقدر ما مثّل نفوذ القائد الدولي في المنطقة الضمانة الرئيسة لاستقرارها الجيوسياسي، خاصة في مواجهة أي محاولات تثوير داخلية, أخذت معادلة النفوذ الدولي الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط تشهد تحولات مهمة منذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ولعل التحول الأهم كان المتعلق بتراجع أهمية نفط المنطقة على سلم أولويات القائد الدولي، ممثلا في الولايات المتحدة، وارتفاع تكلفة ممارسة عمليات الضبط والسيطرة الأمريكية فيها بشكل مباشر، خاصة مع بروز محدودية موارد القيادة الأمريكية عالميا وقد ارتبط تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة بعاملين أساسين, أولهما: زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، خاصة منذ عام 2011، مما جعل الولايات المتحدة بحلول عام 2014 مصدرا صافيا لمنتجات النفط المكررة ومع زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط بنحو 3.5 مليون برميل يوميا من 5.184 مليون برميل يوميا عام 2005، إلى 8.703 مليون برميل يوميا عام 2014، فقد خفضت الولايات المتحدة وارداتها من النفط بنحو 4.5 مليون برميل يوميا، وكان أكثر من نصف هذا الخفض من نصيب دول أوبك التي تهيمن على إنتاجها دول الخليج العربية، حيث تراجعت واردات الولايات المتحدة منها، خلال الفترة نفسها، بنحو 2.3 مليون برميل يوميا، لتنخفض هذه الواردات من 5.587 مليون برميل يوميا عام 2005، إلى نحو 3.327 مليون برميل يوميا عام 2014 أما ثاني هذين العاملين، فهو المتعلق بتطور فنون الإنتاج “التكنولوجيا”، سواء الخاصة بإنتاج مصادر بديلة للطاقة، أم برفع كفاءة المعدات والآلات في استهلاك الطاقة وكان من نتيجة ذلك أنه رغم ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة من 13.093 تريليون دولار عام 2005، إلى 17.348 تريليون دولار عام 2014، فقد صاحب ذلك انخفاض في إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من النفط، خلال الفترة نفسها، بنحو 1.6مليون برميل يوميا ويرجح أن يتواصل هذا الاتجاه، بل وأن يتسارع، في الولايات المتحدة وخارجها، بما يعني تراجع أهمية النفط بشكل عام ضمن هيكل مصادر الطاقة في الولايات المتحدة، وعبر العالم.الاستدارة نحو الشرق … سياسات التوازن الطائفي وإعادة تعريف
أهمية الشرق الأوسط في السياسة العالميةبرز إثر هذا التراجع في أهمية منطقة الشرق الأوسط، ما شهدته السياسة الأمريكية من تصاعد نفوذ الاتجاه الداعي إلى خفض الانخراط الأمريكي في تلك المنطقة، منذ عام 2005، خاصة مع ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق وتأكد هذا الاتجاه مع وصول إدارة الرئيس “باراك أوباما” الأولى إلى البيت الأبيض عام 2009، حيث قدرت تلك الإدارة أن مصالح الولايات المتحدة الرئيسة، خلال القرن الحادي والعشرين، تتركز في جنوب وجنوب شرق آسيا، مما دفعها لتطوير استراتيجيتها المسماة “الاستدارة شرقا” وإن ظلت المعضلة الأساسية، منذ برز التوجه لخفض الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، هي ماهية النظام الذي يمكنه ضمان ألا تتحول المنطقة إلى بؤرة إرهاب عالمية، خاصة مع ما بدا من عوامل تآكل في قواعد الشرعية التي تعتمدها أنظمة الحكم عبر المنطقة بأسرها ويمكن، في هذا السياق، تبين ملامح ثلاث استراتيجيات أمريكية متوالية, وهي الفوضي الخلاقة التي استهدفت رفع الدعم عن أنظمة الحكم القائمة في بعض دول المنطقة، ومنح فرصة لما تصورته السياسة الأمريكية تيارا إسلاميا معتدلا ليكون بديلا للأنظمة القائمة، وللتطرف الإسلامي في آن واحد وقد كشفت أحداث السنوات الخمس الأخيرة عن تهافت هذا التصور، بسبب عدم وجود فوارق حقيقية بين التيارات المختلفة التي تتبني دعاوي السياسة المقدسة، سواء أكانت معتدلة أم متطرفة، حيث تتعاضد وبعضها بعضا، مثلما كشفت خبرة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وليبيا، وتونس، وتنتهج جميعها نمط سياسات يغذي الإقصاء، والتطرف، والإرهاب، وكذلك بسبب رفض شعوب المنطقة لهذا الخيار, اضافة الى سياسات التوازن الطائفي، من خلال خلق توازن قوي طائفي، سني-شيعي، بين إيران والدول العربية ذات الأغلبية السنية وفي الواقع، فقد أدى الدفع باتجاه خلق مثل هذا التوازن إلى إثارة نعرات الصراع الطائفي ومفاقمتها، ولم تكن النتيجة الإقليمية سوى تعزيز قوى الإرهاب وتنظيماته إقليميا، ونشر قيم التطرف، ومشاعر الكراهية الطائفية بين فئات مهمة من المسلمين التي عانت اغترابا ثقافيا أو تهميشا عبر العالم, ومع بروز مخاطر كلتا الاستراتيجيتين السابقتين، بدا وجود قبول أمريكي، منذ منتصف عام 2015 لمحاولة تأسيس نظام أمني متعدد الأطراف ومتوازن في المنطقة، بحيث تلعب بعض التحالفات الإقليمية، إضافة إلى حضور مباشر من قبل قوى دولية ذات مصالح في المنطقة، أدوارا أمنية محدودة ومتنافسة، تحت رعاية أمريكية برز ذلك في القبول الأمريكي بدور عسكري روسي مباشر في سوريا، وإنشاء قاعدة بريطانية في البحرين، في أول عودة لوجود بريطاني عسكري مباشر في المنطقة منذ غادرتها عام 1971، فضلا عن السماح بدور فرنسي في بعض المرتكزات التي تقدر السياسة الفرنسية أنها مهمة لأمنها أو لمصالحها الاقتصادية وتتمثل معضلة هذه الاستراتيجية الأخيرة في أن تنافس الأدوار والأجندات الأمنية بين القوى الإقليمية يهدد بتفجر مستمر للصراعات فيما بينها، أو بينها وبين القوى الدولية الآخذة في تأسيس مراكز أمنية جديدة لها في المنطقة فضلا عن ذلك، فإنه لا يبدو أن أي قوى دولية أخرى راغبة في تحمل أي أعباء أمنية تتجاوز ضمان مصالحها المباشرة والمحددة في المنطقة، مثل الوجود الروسي في شرق المتوسط، أو مساعي الصين لتأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي لتأمين طرق الملاحة البحرية مع شرق إفريقيا وعبر البحر الأحمر ويعزز احتمال محدودية انخراط قوى دولية، بخلاف الولايات المتحدة في صياغة أي معادلات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، البروز المتزايد لمنطقة القطب الشمالي كمركز لثروات وافرة من النفط والغاز وغيرهما من الموارد الطبيعية، فضلا عن التنامي التدريجي في أهميتها كممر ملاحي، حتي لو كان موسميا، لكنه أقصر وأكثر أمنا مما عداه من طرق ملاحية تقليدية، خاصة تلك التي تمر عبر الشرق الأوسط ويعني ذلك أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يراهن على استمرار أهميته كمصدر رئيس للطاقة بالنسبة للاقتصاد العالمي في الأمدين المتوسط والبعيد، وبالتالي سيكون من الصعب الرهان على ثروة المنطقة النفطية كمصدر لضمان أي التزام دولي بأمن الشرق الأوسط على المدى البعيد.حالة السيولة في الشرق الأوسط … بروز وتمدد ما يمكن وصفه بـ«الدويلات الجهادية» تواجه دول الشرق الأوسط وشعوبها عددا متزايدا من التهديدات سواء التي تتعلق بهويتها، في ظل تصاعد مخاطر التيارات الأصولية الإقصائية، كجماعات عنف منظم، أم سياسات دولة تخشى قطاعا من السكان، أم التي تتعلق بأمنها الشامل، الذي لا يقتصر على خطر القتل المباشر، ولكن أيضا العجز عن الوصول إلى الموارد، أو القدرة على استغلالها، إما بسبب وجود عوائق تحول دون الوصول إليها، أو بسبب تدهور حالة تلك الموارد ذاتها وإذ يهدد ذلك باستمرار الصراعات المتنوعة في المنطقة، سواء بين دولها، أو بين المجموعات البشرية فيها، خاصة في الدولة التي تعاني انهيارا في أنظمتها السياسية، فإنه يمكن تحديد مصدرين للمخاطر المشتركة التي يمكن أن تواجه دول المنطقة، وبقية دول العالم جراء الأوضاع في الشرق الأوسط, أول هذه المخاطر هو بروز وتمدد ما يمكن وصفه بـ”الدويلات الجهادية”، وما تستقطبه من عناصر متطرفة وشديدة العنف من مختلف مناطق العالم ودوله وتطرح هذه الدويلات تهديدات مباشرة يمكن إجمالها في, تصاعد عمليات التطهير العرقي، وإعادة رسم الخريطة الديموجرافية والإثنية للشرق الأوسط، ولا يقتصر خطر ذلك على ما تولده قضية اللاجئين من ضغوط لدى الدول المستقبلة، ولكن الخطر الأكبر فيما ينتج عن عمليات التطهير تلك، أو عن تأسيس كانتونات طائفية صرف من تنامي واقع الانفصال الطائفي، وتصاعد مشاعر الكراهية والعداء الإثنيين، واللذين ينتشران ليس فقط لدى الفئات الموجودة في مناطق الصراع مباشرة، ولكن لدى جماعات اللاجئين أو المنتمين لأي من الفئات المتصارعة، سواء في الإقليم، أم عبر العالم, ومخاطر استهداف دول ومناطق أخرى تعاني هشاشة إثنية من قبل هذه الدويلات، حال ترسخ وجودها في منطقة ما، ومن ذلك تمدد تنظيم “داعش” من مناطقه الحصينة في الشمال السوري إلى داخل العراق ويتفاقم هذا الخطر مع إمكانية استخدام مثل تلك التنظيمات الإرهابية من قبل بعض القوى الإقليمية أو الدولية كأداة لمد نفوذها، أو تهديد قوى منافسة أخرى، على غرار الدعم الذي يلقاه “داعش” من قبل تركيا في سوريا والعراق بشهادة أطراف دولية عدة, اضافة الى احتمال تطور الصراع مع تلك الدويلات وحولها إلى حروب إقليمية صريحة بين دول المنطقة، إما طمعا في السيطرة على بعض المناطق التي تخضع لسيطرة هذه الدويلات، كما ينبئ بذلك نشر تركيا بعض قواتها في شمال العراق، وسعيها لإنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، أو محاولة لتمدد نفوذ هذه الدويلات، أو دول داعمة لها، إلي المجال الحيوي لبعض دول المنطقة، مثلما يتبدى من قلق مصر من تمدد تنظيم “داعش” وأيديولوجيته في ليبيا, ينبئ ما تقدم بأن تشهد مرحلة من عدم الوضوح، التي لن يجلوها سوي خيارات شعوب المنطقة، إما بتبني عمليات تحول سياسي، واقتصادي، وثقافي، تتيح لها الانتقال باقتصاداتها من نمط الاقتصاد الريعي إلى اقتصادات صناعية متقدمة، لتصبح مساهما حقيقيا في حركة النمو العالمي والتطور الإنساني في مجمله، أو لن تكون سوى بؤرة تهديدات لا يعني بها العالم إلا من منطلق تطوير استراتيجيات احتواء مخاطرها.




