اراء

السجاد .. شموخ وعظمة المقاومة السلمية وثورة الدعاء

 

بقلم/ جميل ظاهري..

ما أروع الشموخ والسمو والعظمة والعزة والكرامة والإباء والتضحية والفداء والمقاومة، إذا کانت كلها من صنع الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وصاغتها عقيدة السماء، ونهج الأنبياء والأوصياء، والأئمة المعصومين الهداة، وأهل بيتهم الأباة “عليهم السلام” أجمعين، لتبقى شامخة مرفوعة الرأس، يشهدها التأريخ ويستشهدها، ويتمسّك بها المقاومون والأحرار على مر الزمان.

الإمام الحسين سيد الأحرار والشهداء وسائر إخوته، ابناء الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين “عليهم السلام”، أرسوا صرح البطولة والتضحية والفداء والإباء، بكل ما لهذه الكلمات من معانٍ، عندما قدّموا الغالي والنفيس وأجساداً مقطعة الأوصال في يوم عاشوراء عام “61 فداءً لإعلاء كلمة الله عز وجل، واصلاح الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة وتلاوة القرآن الكريم في ليلتها، ترسيخاً لرسالة السماء الحقة، وإبقاء رايتها ترفرف عالية في ربوع المعمورة.

مدرسة عاشوراء بكل قرابينها الثمينة والعزيزة، باتت المدرسة الوضاءة والمنهاج والمشعل المنير لدرب المضحين والمقاومين والمنتفضين في طريق كفاحهم الطويل والمرير مع الطغاة والفراعنة والأنظمة الدكتاتورية ومساعيهم لكبح جماحهم ومطامع واجرام الظالمين والسلطويين، طيلة القرون الماضية والحالية، ولتبقى شوكة في عيونهم مادامت الدنيا قائمة.

كان لا بدَّ لهذه المدرسة الناصعة والسراج المنير، أن تدوم وتستديم بمشيئة الباري سبحانه وتعالى، فمهّد لها الأرضية والعوامل والأسباب والأهداف وحمل عبئها الكبير سيد من السادة وإمام من أئمة الهداية الإلهية، والنور والدراية والبراهين الساطعة، ونبراس للعلم والزهد والتقوى والمآثر السنية ألا وهو الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين “عليهم السلام” ومنذ اللحظة التي سقط فيها والده وأخوته وأعمامه وسائر أهل بيته وأنصاره الأخيار، طريحي الأرض، مقطعي الأوصال في صحراء كربلاء الدم وفاءً للإسلام المحمدي الأصيل.

حاكت سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين “عليه السلام” سيرة الأنبياء والمرسلين، وشابههم بجميع ذاتياتهم، واتجاهاتهم، فهو كالمسيح عيسى بن مريم في زهده، وانابته الى الله عز وجل، كالنبي أيوب في بلواه وصبره، وجده الرسول محمد “صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله”، في صدق عزيمته وسمو أخلاقه.. ولا تحد نزعاته الخيرة وارصدته الروحية، وحسبه أنه وحده في تأريخ هذه الدنيا، قد عرف بزين العابدين ولم يمنح لأحد هذا اللقب سواه.

 

اقتضت الحكمة الالهية بقاء الإمام علي بن الحسين السجاد، حياً بعد ثورة عاشوراء ومجزرتها في كربلاء، فكان الشاب الوحيد الذي نجا من المجزرة الرهيبة والفاجعة الدموية الوحشية، التي حلَّت بأهل البيت “صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين” كي يتمكن من نقل صورة حقيقية وواضحة وشفافة، عن الحوادث والوقائع والمصائب وانتهاك الحرمات المقدسة التي جرت في الطفوف بعاشوراء الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة وما جرى فيها.

من هنا، انطلقت مسيرة الإمام زين العابدين في توعية الأفكار المهجورة والمضللة وبرز بكل قوة على مسرح الحياة الإسلامية، كألمع مفكر وداعية وسياسي إسلامي في تخليد الثورة الحسينية، حيث استطاع بمهارة فائقة، أن ينهض بمهام الإمامة وإدامة نهضة والده الإمام الحسين “عليه السلام” حيث حقق انتصارات باهرة عبر خطبتيه اللتين القاهما في مجلس المجرم ابن زيادفي الكوفة وأمام الطاغية يزيدفي الشام والتي كان لهما الأثر البالغ في إيقاظ الأمة وتحريرها من عوامل الخوف والارهاب والانحراف والتزييف والإعلام الموهم، ليروي للناس كيف أن الحقيقة قتلت عطشى في “كر وبلاء” وسلبت وذبحت من الوريد الى الوريد، وداست الخيول صدرها بحوافرها، لا ذنب لها سوى أنها أرادت الإصلاح في أمة جده خاتم الأنبياء والمرسلين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أمرنا بذلك الدين الاسلامي الحنيف.

عاش الإمام السجاد أقسى فترة من الفترات التي مرَّت على أئمة أهل البيت عوعانى ما عانى، وتحمل ما تحمل، حيث عاصر بداية قمة الانحراف الأموي، بشكله الفظيع على كل المستويات خاصة الدينية منها، رأى بأمّ عينه المِحن والبلايا والرزايا التي حلَّت بالإسلام وأهله وأسلافه الغيارى، فكافح وجاهد الانحراف والجاهلية والنفاق والاجرام الدموي القبلي الأموي، عبر وسيلته النافذة والقاهرة، وهو الدعاء الذي أضحى سلاحاً نافذاً في قلوب المؤمنين والاحرار في مقارعة الظلم والجور والفرعنة والتصدي للاستعمار والاحتلال والسلطوية، وتبيين ما حلَّ بالأمة الاسلامية بعد رحيل جده الرسول الأعظم، وما عانى منه والده وعمه وجده الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين “عليهم السلام” أجمعين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى