اخر الأخبارثقافية

النضوج الفكري في اختزاليات الغابة لـ”عبدالحسين بريسم”

 

الناقد حامد عبدالحسين حميد..

يعدّ مفهوم الاختزال في القصيدة بأنواعها المعروفة، أنه التكثيف في الفكرة ومحاولة توسيع الأفق السياقي وصناعة خيال يختزل كلّ الأشياء البوحية، ممّا تغري القارئ في تتبع المعنى الدلالي لها، وبذلك نستطيع أن نتعرّف على مدى براعة الشاعر في هذا الجانب المهم، فهو يعكس عمق تجربته وقدرته على صياغة الجملة الشعرية وعلى وفق رؤى داخلية وخزين ثقافي ثرّ، ليمنحها بناءً داخلياً وخارجياً رصيناً، ولا ننسى أنّ رغبة الشاعر وحسّه في ضغط مفرداته وتراكيبه لها الدور الكبير دون تكرار الجملة ذاتها مرات عدّة ومحاولة اسباغها أو بعثها من جديد وبروح لا نرى فيه إلا الجمود ذاته، فالعمق الدلالي في الشعر يحتاج إلى هندسة بنائية وشاعر متمرّس بارعٍ في صنعته.

الشاعر عبدالحسين بريسم ، وبما يمتلكه من وعي شعري ونضوج فكري، دخل في مغامرة نقدية، في محاولة منه للكشف عما اقتنصته ذائقته الشعرية لدى من سلط الضوء عليهم، فنجده غارقاً في التقاط تلك الاختزالات التي عبّرت عن شاعرها وبما يحمله من ترابطات تكثيفية مختزلة لحياة كاملة أحياناً، حيث يشير بريسم في ذلك الى: (أن الشعر الآن هو اختزال لحياة ومشهد جامع بكلمات وحسب ما يحتاجه التي من صياغه كلمات وبما أن العالم الآن هو افتراضي أكثر مما هو واقعي للتطور الحاصل في عالم النت العالم الأزرق، فأن الشعر لا بدّ له أن يأخذ وعاء الزمن التسارع والتفاهم معه حتى يكون متحركاً وقابلاً للمنافسة وهذا ما عمل عليه ….).

وهنا تكمن أهمية الاختزال الشعري، حيث تصل رؤية الشاعر الى أدقّ مرتكز دلالي هادفٍ، ومحاولة ضغطها بطريقة تصويرية لتجعل القارئ، المتلقي يقف أمام براعة لوحة موحّدة في إطلاق تأملات ذات جوانب متكاملة.

أضف الى أننا نجد بريسم يضع أصبعه على هذه التجارب لما فيها من نضوج اختزالي، وفيها مَسكة متذوّق يفهم كلّ المعطيات الفنية واللغوية وبروحها الحداثوي المفتوح، فنراه – أيضاً – مهتمّاً بالتعريف عن بعض شعراء النصوص المختارة اختزالياً، ومدى علاقته بهم حياتياً، في اشارة منه إلى أنّ مثل هذه الجوانب مهمّة جداً لديه في دخول وسبر أغوار فضاءات النصّ، فلا يمكن لنا أن نكون بعيدين عن النصّ نفسه، فهو صانع العالم بجمالياته الفارهة.

يقول ايلمان: (لغة الشعر تصيب مَن يسمعها بالدهشة لما فيها من ترتيب في تركيبتها الفنية) ولعل هذه النقطة تشكّل محوراً أساسياً في أن اللغة الشعرية لا بدّ أن تكون فيها ضربة دهشة، وهذه الدهشة تمنح المتلقي نوعاً من التفاعل مع ما يسوّقه إلينا النصّ، وبما يحمله من اختزال ومهارة عالية الدقّة وصياغة فنية ممتعة.

علّ هذا الكتاب وبما تضمنه من أسماء شعرية معروفة، يكون مدخلاً لأسماء أخرى تستحق أنْ تدرس نصوصها ويسلط الضوء على جوانب فيها جديدة، لنرى كلّ ما هو جديد في عـالم الشـــعر والأدب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى