ثقافية

الوعيُ…مُشكلةٌ

 

عبد الكريم المصطفاوي..

حَسن طالبٌ في المرحلةِ الإعدادية ،مختلفٌ عنْ اقرانه، ينظرُ للأمور منْ أكثر مَنْ زاوية ،يقرأُ بنهمٍ ، متواضعٌ وبسيطٌ وفقيرُ الحال،لكنهُ شجاعٌ وعزيزُ النفس ، أبيٌ وبالغُ الحُجة. ما أن يضعَ الدرسُ أوزارهُ في مدرستِنا الإعدادية ، حتى نُسرعُ حَثُ الخُطى للصعودِ في سيارات الفيات (أو أم ) للوصولِ إلى بيوتنا ،  إلّا حَسن، فقد كانَ يحبُ قطع المسافة مَنْ الإعدادية إلى البيتِ مشيًا على الأقدام .

الأمر المهم ، أن حسن كانَ يُحدثنا بمواضيعَ غريبة جدًا ، وقلّما كُنا نتشارك  بالحديث عنها كباقي الموضوعات، فمرةً يتحدثُ عن العدالةِ الاجتماعيةِ وسبلِ تحقيقها ، وأخرى يتكلمُ عن الحرياتِ العامةِ وحرية الفكرِ ، وثالثةً يذكرُ أسماءً مثل؛ غاندي وجيفارا  وروسو وكافكا و…!

في أحدِ أيامِ شهرِ مايس ، حَضرنا درسًا إضافيًا في مادةِ اللغةِ الإنجليزية، بعدَ ان كُنّا في إجازةٍ لمدةِ شهرٍ ، تحضيرًا لامتحاناتِ البكالوريا التي ستبدأُ في شهرِ حزيرانَ ، وبعدَ انتهاء الدرس لفتَ نظري عدم حضور زميلنا حسن ، فاستفسرتُ عنهُ من أحدِ أصدقائهِ وجيرانه ، فترددَ في الإجابة باديء الأمر ، إلا أنه وبعدَ إلحاح، أجابني مضطرًا: الأفضل  ألا تسألَ عن حسنٍ بعدَ اليوم! ذُهلتُ مَنْ ردهِ، وقلتُ في نفسي: ما الذي فعلهُ حسنٌ ياتُرى ، حتى صارَ السؤالُ عنهُ مثلبةً وخطيئة!

لَمْ أستسلم، وبعدَ إصرارٍ كبيرٍ أثناء سيرنا خارجَ بناية الإعدادية، قالَ لي بخوفٍ وهو يبتعدُ عني : حسن أُعتقلَ مَنْ قبلِ قوةٍ أمنيةٍ قبلَ يومين.

صُعقتُ ووقفتُ متسمراً في مكاني، فنحنُ نعلمُ ماذا يعني هذا بالنسبةِ لهُ وبالنسبةِ لنا جميعًا ، نحنُ زملاؤه في الصفِ والمدرسة !

راودتني أفكارٌ غريبةٌ ، وشعرتُ بالخوفِ !ليسَ على حسنٍ  فحسب ، فمسألتهُ إنتهت ! خفتُ منْ أنهم قدْ يعتقلونني أنا أيضًا !.

فهنالكَ سببٌ مهمٌ لاعتقالي ، فيومًا ما  أسرّني حسن بسرٍ خطيرٍ.

بعدَ مضيّ  ثلاثة أشهرٍ ، علمتُ أن حسن أُعدمَ والتحقَ بقافلةِ الأحرار.

حسنٌ لمْ يكنْ ينتمي لإي تنظيمٍ معارضٍ ،ولمْ يُحدثنا يومًا عن مساوئ الحاكمِ أو الوقوفِ ضدهُ،كل ما كانَ يقولهُ حسن ؛ إن الإنسان يجبُ أن يعيشَ حرًا ، وأن الحقوقَ تؤخذ ولا تُمنحْ ، وأعظمُ سرٍ أفشاهُ لي أنه قال لي يومًا : إعلمْ يا صديقي أن الوعيَ …..مُشكلةٌ!!!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى