ثقافية

«خابية الحنين»..مزج السند الواقعي في إطار صيغة تخييلية

 

 رامي أبو شهاب..

يُعدّ جمال أبو غيدا أحد أبرز المترجمين الذي يتملكهم مشروع ثقافي ينهض على انتقائية ورسالة تتقصد بيان الأثر السياقي المتصل بأدب الرحلات الغربية، واستقراء الخطاطات الأرشيفية، كما لوحظ في عدد من ترجماته، وهي كتاب ماري إليزا روجز بعنوان «الحياة في بيوت فلسطين»، وكتاب جيمس فن «أزمنة مثيرة»،   غير أن ثمة دوراً إبداعياً لا يقل أهمية عن الترجمة، ولا سيما حين يتصدى أبو غيدا للكتابة السردية ضمن رؤية لا تبدو معنية بأن تكون ضمن السباق المحموم، الذي يسم المشهدية السردية العربية المأخوذة بسحر الجوائز، واختصار الطرق للشهرة، ولاسيما لدى الكتاب الناشئين، فجمال أبو غيدا يتخذ من السرد أفقاً يستهدف مزج السند الواقعي في إطار صيغة تخييلية تتكئ على مرجعية الزمن، بوصفه سياقاً للحدث، ومع ذلك فهي ليست رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، إنما هي رواية تتخذ من التأريخ إطاراً للفاعلية الخطابية، ومركزها نموذج حكائي واضح، قوامه تكوين شخصيات لا تبدو واقعة في شرك النمطية، أو الوظيفية بمقدار ما تبدو أقرب للتجسيد الواقعي أو الكلاسيكي الذي يميز صيغ الرواية، ومعايير تكوينها من حيث القدرة على البناء والتوصيف والتنوع، علاوة على التشخيص والإسناد الوظيفي تبعاً للدور والغاية الدلالية لكل وحدة سردية.

في روايته بعنوان «خابية الحنين» المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2016، نقرأ سرداً يعتمد الراوي العليم الكلي، الذي يضطلع بحكاية الأزمنة والتاريخ، ولكنها تعدّ أبعد من ذلك كونها تسعى إلى توصيف الأفكار، وبيان هشاشة الأيديولوجيا، ووهم الأحلام، كما التحول في عالم شهد انعطافة واضحة لانهيار الأفكار الكبرى، وخواء أزمنة النضال، حيث ساد اعتقاد عميق بوجود الحقائق والقيم القائمة على أيديولوجيات نقية، غير أنها بدت عند اختبارها أكثر من هشة، وهذا ما لا يمكن أن نعدّه سوى محاولة سردية لتعرية الأيديولوجيات، ونبش الخبايا والمواقف التي قد تُبنى على مقاربة أو خبرة واقعية (شخصية) تتداخل في كثير من الأحيان مع المتخيل السردي أو تستند إليه بذكاء.

في نص سردي يتكون من (464) صفحة بدت في بعض الأحيان أسيرة الحرص على بناء سردية تتوخى الواقعية، أو الحرص على تمكين المطابقة بغية الإيهام بتحقق المرجعية، ما أحدث شيئاً من تضخم المتن، وبروز امتدادات كان يمكن التّخفف منها، ومع ذلك يمكن إيجاد مسوغات لهذا النهج، بداعي الحرص على تمكين التدقيق في تكوين الشخصيات ورسمها، فضلاً عن بيان مرجعياتها، ونموها، والأهم تحولاتها، وهذا ينسحب على بناء الفضاء المكاني، كما الاتكاء على الحوار مع توظيف المحكية أو العامية، بهدف بث الروح في الشخصيات ضمن التشكيل السردي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى