ثقافية

عبد الحسين بريسم ..الجملة الشعرية السلسة

عبد الهادي الطعان..
عبدالحسين بريسم شاعر اختط لنفسه طريقة خاصة به في كتابة القصيدة، فهو يكتب الجملة الشعرية السلسة والواضحة إلى حد المباشرة ، لكن ميزة هذا الوضوح الذي يكاد يقترب من السهل الممتنع في أنّه لا يخلو من الفن والجمالية الممتعة . يكتب البريسم القصيدة المتواضعة بلا ضجيج ولا إدعاءات فارغة، فقط أنّه يشعر أن في داخله شيء من النور يُريد أن يضيء به ولو جزءاً يسيراً من ليل هذا العالم المعتم الكئيب.
فهو الذي يقول في مجموعته هذه (ديوان البريسم) : ( منذ خطّتْ أصابع أمّي / على جسدي وشم الكتابة / وأمطرت حزنها دهلة / على وجنات براءة…
زادي صبر يكفي ليكون العالم … وفي قلبي يرقد بسلام)… قارئ “ديوان البريسم” يلمس في نصوصه بعض الصور الشعرية التي تعتمد على الصورة اللوحة، ، فعلى سبيل المثال لا الحصر : (وما الليل إلّا عيون هدّها العشق/ وأنا أهشّ بيدي/ قبلات نجومه)، ( وكيف أنا وقد حملتكَ، ظلّاً وضريح/ وسرتُ إليكَ يوم كان اسمكَ مقصلة)، وقد أسهمت المفارقة الحاذقة والدهشة في التعامل مع الأشياء في بناء شعرية هذه الصورة اللوحة:(سقوط الآخرين / لا يعني بالضرورة /إرتفاعي)، (كلهم يضحكون / وأنا أنشرُ على حبل حياتي / غسيل أرواحهم).
وقد لجأ البريسم إلى لعبة التناص وبشكل واسع في صوغ بعض نصوصه الشعرية، وقد نجح، في ذلك، إلى حدّ ما في الذهاب بنصوصه إلى أفق أوسع، والتناص عند البريسم قائم على تغيير سياق النص الذي يشتبك معه في لعبة التناص من خلال نفي المعنى أو الحدث ، من أجل أن يخدم الدلالة التي يبغيها نصه الشعري : (ليس لي وادٍ/ لأهيم به / ولم يتبعني الغاوون)، ( وما خشيت طريق الشعر لقلة سالكيه…)، (لم ينظرِ الأعمى إلى أدبي/ وإنما صار له بصرٌ / لا يفتح الكتب)، استطاع البريسم تغيير مسار النص الذي يتناص معه إلى الوجهة التي يرمي إليها نصه الشعري الذي اكتسب دلالة جديدة ومغايرة للنص الذي تناصّ معه…ونود الإشارة هنا إلى وضع المفردات المألوفة في سياقات غير مألوفة من خلال إضفاء الصفات الحسية على المعنويات المجردة وبطريقة تثير الإدهاش والغرابة ، معتمداً على بلاغة الإستعارة المكنية ، :(الوقتُ يرفعُ ساقيه.. / يقفزُ مسرعاً على حواجز العمر)، ( الوقتُ صامتٌ وقدميه كسيحة.. / وساعة القشلة دليل)…. يلمس قارئ (ديوان البريسم) الغنائية التي ترتكز على الألم الذاتي والهم الوطني وحضور الحب والمرأة (الأم والزوجة والحبيبة) وهو يكشف مقابل ذلك عن قلق الإنسان المعاصر واغترابه وبحثه الدائم عن ذاته…وإلى جانب ذلك نستطيع أن نقول أن الغنائية منحت أغلب النصوص في ديوان البريسم سهولة التعبير وسلاسة في نقل الحس الإنساني إلى حالة شعرية تتكئ على التدفق الوجداني الذي يفرض على القارئ نوعاً من التلقي الذي يتميز بالحرارة والعفوية والتفاعل والحميمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى