كتاب «النسيان».. مقاطع متوالية من دون ارتباط بسياقات سردية

حمزة قناوي..
في كتاب «النسيان» لمحمود عبد العزيز، لا يكفي مجرد استحضار الغزالي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، ومحيي الدين بن عربي، فضلاً عن استحضارِ المعنى المتناص مع رواية «أولاد حارتنا» في المقطعِ الختامي عن النسيان، لكي يجعل من ذلك سرداً متماسكاً، فلا أحداثَ في النص، ولا تسلسل زمني واضح، لا صيغة بالمعنى الذي يذكره جيرار جينيت، إنها المتتالية النصية التي تشبه التسجيل الوارد من التداعي الحر للذهن هنا، مفتقدةً أبسطَ مقوِّماتِ البنية الفنية التي أشار إليها ميشار بوتور، في قوله: «وفي حين أن القصة الحقيقية تعتمد دائماً على مصدر خارجي واضح كل الوضوح، فإن على الرواية أن تكتفي بإظهار ما تحاورنا به. لهذا كانت الرواية أسمى حقل للحوادث الحسية، وأسمى بيئة تُبحثُ فيها الطريقةُ التي تظهر لنا فيها الحقيقة، أو التي يمكن أن تظهر لنا فيها، ولهذا كانت الرواية مختبر القصة».
فلنتأمل الأمر جيداً؛ إذا كان حكى قصة واقعية يستند إلى مرجعية حدوثها الفعلي في الواقع، فإن حكى شيئاً ليس موجوداً، عليه أن يحاورنا، أي أن يقدم لنا مبررات مقنعة لوجوده، فضلاً عن تجاوز ذلك إلى قدرته على تحقيق تشويق وإمتاعية، وذلك بالطبع مصحوبٌ ببناءِ الدلالة والمعنى، ويطوف بنا عبر سياقات وأحداث وشخصيات وترابطات ووظائف سردية وهكذا. ببساطة عليه أن يكون مترابطاً بروابط داخلية في النص، وهنا يجدر أن نفرق بين الترابط النصي، والرؤية التي قد تقوم على التفكيك وعدم وجود رؤية، فحتى رؤية «اللارؤية» عليها أن تتبع الإقناع النصي ذاته المحاور للقارئ، وفرق شاسع بين هذا، وأن تكون الرؤية نفسها التي تم بناء النص بها مشوشة، وغير واضحة، ما يجعل النص أشبه بكتابة عشوائية على لوحة مفاتيح الحاسوب.
سأكتفي هنا، بتقديم هذا المقطع الذي يأتي مع قرابة ختام الرواية، تاركاً للقارئ محاولة استنتاج المعنى أو الدلالة أو الوظيفة السردية أو «أي رؤية» يمكن أن يصل إليها من هذا التراكب اللغوي، الذي يكدس الدوال، ولا يراعي التناسب بين المدلولات، يقول السارد: «يومها تيقن أن انحجاب المعنى في أساس المغنى، دالته المرشدة لحضور المغنى عند تخوم المعنى، وأن النسيان درب سالك لمعانقة الذاكرة، وأن ثنائية الذاكرة والنسيان ينتصبان في ثنائية المعنى والمغنى، كما ثنائيات الزائد والناقص في الحساب، والتفاضل والتكامل في الجبر، والموجب والسالب في الكهرباء، والبروتون والإلكترون في الذرة، والشموس والكواكب في المجرة، والكواكب والأقمار في مدارات الشموس».
فيا ترى ما الشيء الجوهري الذي خرج به القارئ من هذا المقطع؟ مع ملاحظة أن غالبية النص السردي المقدم هنا، مبني على هذه الطريقة، مقاطع متوالية من دون ارتباط بسياقات سردية، لا شيء سوى كلامٍ مرصوف في سياقاتٍ مقطوعة، وشخصياتٍ لا تستوفي الحد الأدنى من معايير مفهوم الشخصية الروائية، وطلاسم وانزياح أصواتٍ على أخرى في عملٍ فشل أن يندرج تحت مسمّى أي فنٍّ سرديٍّ.



