ثقافية

“الدار” مسرحية البيت السوري الذي صار مجمعاً تجارياً

 

المراقب العراقي/ متابعة…

إذا كانت الأماكن التي وظفها المخرج فائز قزق لعروضه، قد توزعت بين المستشفيات ودور الإيواء للاجئين والبيوت الدمشقية، إلا أنه في عرضه الجديد “الدار” يمرر قصص شخصياته المتزاحمة في دار للمسنين، مشتقاً من هذا المكان حكاياته التي سيضفرها مع واحد وعشرين ممثلاً وممثلة، وضمن ما يشبه هذيانات فردية متجاورة، هي أقرب إلى مونودراما جماعية. فالحدث الرئيس الذي سنعرفه بعد استهلال مطوّل لتعريف الجمهور بسكان هذا المكان، ومن هم قاطنوه، يبدأ بلمحة عن كل شخصية من شخصيات العرض، وهم النزلاء من كبار السن، ومدير الدار وسكرتيرته، والممرض والطباخ وزوجته وعمال الصيانة.

هؤلاء سيوضحون لنا تباعاً ماضي شخصياتهم، فلكل شخصية هنا قصة يتوجب معرفتها، ولكن هذه القصص، تظل منفردة ومتناثرة، فهي تشرح حال الشخصيات وظروفها المحيطة التي أوصلتها إلى دار للعجزة، من دون أن تشتبك مع شركائها على الخشبة، إلا من باب التذكير بأوقات الاجتماع مع مدير الدار، ومواعيد الغداء وتناول الأدوية والحقن.

كل هذا تجمعه الفرضية الأم، وهي هنا تصميم مدير الدار على هدمه وتعهده من قبل وزارة الشؤون لتحويله إلى “مول” أو مجمع تجاري ضخم، ما يستنفر نزلاء الدار ويجعلهم بدلاً من تأجيج صراع أفقي بينهم وبين المدير وعملائه، كي لا يصبحوا في الشارع، تراهم يخوضون باسترسال في عملية استرجاع ذكرياتهم ومآسيهم التي أودت بهم إلى أن يكونوا خردة بشرية، لا يعبأ أحد بها ولظروفها الصحية والاجتماعية.

مفارقة أودى إليها الارتجال وغياب نص مكتوب يضبط الشخصيات ومآلاتها، والرغبة في تقديم أكثر من عشرين ممثلاً وممثلة على مستوى واحد ومساحة واحدة لجهة الأداء، واستعراض أدواتهم في النواح على الماضي، والترحم على الذكريات. نعثر بين زحام الممثلين هذا على نماذج إنسانية عديدة، كانت ستكون لافتة ومؤثرة لو أنها لم تدخل في سرد مونولوغات مطولة عن نفسها، وعن تاريخها الشخصي، وانتفاخها العاطفي، وشعورها المزمن بكونها ضحية الزمن والبلاد الفاسدة وذوي القربى. وهذا ما أحال حتى الحوارات المشتركة بين هذه الشخصيات – في حال وجوده – إلى مشاحنات وثرثرة بدلاً من أن يكون حواراً درامياً صرفاً، ما أدى بالتالي لتفوق المونولوغ على الديالوغ، فكل ممثل كتب شخصيته، وصار من الصعب توظيف هذه الاستطالات المديدة في نص واحد، ما جعل زمن العرض يمتد إلى ثلاث ساعات ونيف في مسرح فواز الساجر.

وبما أن الزمن المسرحي ليس مدة العرض، بل هو الماضي المستعاد من قبل الممثل ليصبح حاضراً. وهو هنا دراما ترتكز على قصة مكتوبة، ومقطع عرضي من حياة يتم تكثيفها في التأليف والأداء ليكون الإخراج عنصراً حاسماً في تقديم قراءة نوعية لها، ومعالجتها ضمن التفريق بين الواقع الموضوعي والواقع الفني المصنع. وهذا ما غاب من حسابات عرض “الدار” الذي ظل أداء الممثل فيها، حاسماً لجهة استعراضاته الجسدية والصوتية والحركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى