“تذكرة الى الجحيم”.. الهروب غير الشرعي من الوطن

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان رواية “تذكرة الى الجحيم” للروائي عباس لطيف، تسلّط الضوء على العديد من القضايا المهمة، ومنها الهروب غير الشرعي من الوطن الى اوروبا التي تحوّلت خلال فترة ما الى ظاهرة.
وقال جويعد في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: إن رواية (تذكرة الى الجحيم) للروائي عباس لطيف، تضع أمام المتلقي صورة الحياة، وعالم الديستوبيا، الذي ظهر بعد التغيير سيئ الصيت، والذي أحدث حالة انفلات مريع ومرعب، في منظومة الأخلاق والمبادئ والقيم، والتي انحرفت كثيراً عن ما كان سائداً قبل هذا التغيير، ليجعل من هذا الواقع الجديد المفروض والمرفوض في ذات الوقت، الأرضية التي تنطلق منها أحداث الرواية، حيث تبرز الظواهر الخبيثة والسيئة وتنمو داخل مبنى السرد، وتتفرّع لتصل بأطرافها كل نواحي الحياة، والتي هي حياة شخوص الرواية، وحياتنا أيضاً، حيث سنجد الفساد الذي استشرى في مفاصل حياة الدوائر الحكومية، والثراء الفاحش غير الشرعي.
وأضاف: وكذلك يمر الروائي على الهروب غير المشروع من أرض الوطن، وركوب أمواج البحر المميتة، وكذلك سنمرُّ على الحياة التجارية غير العادلة، التي حصد فيها التجار أموال السحت والحرام، وسنمرُّ أيضاً على شخصية أبو تقى، الرجل المتسلّط، تحت غطاء الدين، وسنطوف على العلاقة الجافة الانفعالية بين زوجين عندما يموت الحب، وتبقى تلك العلاقة الزوجية عبارة عن شجار دائم وصراخ لا ينتهي، وكذلك جرائم الخطف التي استشرت بالبلاد بسبب غياب الخطاب الأمني، وانعدام الأمن والطمأنينة والسلام، هذه الظواهر التي برزت بعد الاحتلال الأمريكي وصارت حالة مفروضة نعيشها مرغمين.
وتابع: لقد رسم لنا الروائي ملامح هذه الظواهر، التي اجتاحت فضاء حياتنا، لتكون القاعدة التي سوف ننطلق منها لمتابعة أحداث النص السردي، بلغة سردية متصلة ومتواصلة ومستمرة ومحتدمة، برغم تقطيعها الى فصول معنونة، لكونها مرتبطة ببعضها دون توقف، لندخل الى صالون الحلاقة النسائي الذي تملكه نرجس، ونتعرّف على بقية العاملات فيه، منتهى بطلة الرواية، وسناء واقبال، والتي تدور أحداث هذا النص، في رحى حياتهن، اقبال التي أحبت سامي وهو فقير، وقررت الزواج منه، الا أن الثراء المفاجئ الذي ظهر عليه بسبب أعماله غير المشروعة، وأعمال التزوير في الدائرة التي يعمل فيها، جعلت اقبال تقرر تركه، وسناء التي أحبت سامر وانصاعت لأمره وقررت السفر معه غير الشرعي، وهناك تظهر أخلاقه غير الحميدة، ويعاملها بسوء، الى الحد الذي يتركها في تركيا، ويسافر عن طريق التهريب بالقوارب المهترئة وسط بحر هائج فيموت بالبحر، لنصل الى البؤرة المركزية والرئيسة في هذا النص، وهي حياة منتهى التي أحبت صالح الرسام الفنان المثقف، لتطابق توجهاته وحياته وثقافته، مع حياة منتهى التي تخرجت من كلية الفلسفة، وتميل الى القراء الواعية.
وأشار الى أن الأمر المثير للاهتمام والذي على وفق الروائي بجعله الثيمة الرئيسة لهذا العمل الفني الأدبي، هو بروز العلاقة العاطفية النرجسية النقية الصافية النزيهة، علاقة الحب المعتدل الواعي، بين منتهى وصالح، اللذان واجها هذه المشاكل واستطاعا الانتصار عليها، على الرغم من شدتها وصعوبتها، والتي جعلت هذا النص يزخر بحس درامي واضح، وأحداث ساخنة منذ بداية الأحداث حتى انتهاءها، كون أبو منتهى يتعرّض للخطف، ولا يتم الافراج عنه إلا بعد اعطاء الفدية، وكذلك الصورة المتوحشة والقاسية لهجوم ابو تقى على نرجس في صالونها وقتلها، وكثير من المفاجآت التي لهبت الحركة السردية واعطتها حيوية ومتعة وشداً وتماسكاً.
(وبلمحة بصر وبسرعة خاطفة أخرج أبو تقى سكيناً حادة.. صرخت المرأتان بقوة.. لكن حركة ابي تقى كانت أسرع من أية حركة أو صراخ، طعن نرجس عدة طعنات في صدرها، تساقطت المرأة وتحولت إلى جثة تنزف الدم القاني، واضطرب كل شيء في المكان، وعصف الرعب بإقبال.. وقبل أن يختفي قال أبو تقى كلمات أشبه بهذيان مجنون:
– أبو تقى ليس مغفلاً.. ولم يخلق من يضحك عليه.. هذا مصير من يخدعني!!) (ص 92) .
وختم: ووسط هذا العالم الغرائبي، المشوب بالقلق والخوف، والأرض الملتهبة المجمرة، والفساد والكذب والخداع والزيف، تنمو شجرة الحب الصافية النقية وتترعرع وتكبر برغم كل الاحراش الخبيثة التي اجتاحت حياتنا.



