مسرحية “الحب في زمن الكوليرا”.. توليفة تجمع بين السرد والتمثيل

المراقب العراقي/ متابعة…
إذا كان غابرييل غارسيا ماركيز، نفسه، قد تحفظ على تحويل روايته “الحب في زمن الكوليرا”، الصادرة عام 1982، إلى فيلم سينمائي، وظل ثلاثة أعوام كاملة يرفض طلبات المخرج مايك نويل، لأنه كما قال: “أفضل أن يتخيل قارئ كتابي الشخصيات كما يحلو له، وأن يرسم ملامحها كما يريد. أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين، وهي ليست تلك الشخصيات التي يمكن أن يتخيلها المرء أثناء القراءة”، ثم وافق تحت ضغط المخرج وإلحاحه، ما بالنا إذاً، بتحويل الرواية إلى عمل مسرحي، مع الأخذ في الاعتبار أن السينما، بإمكاناتها الكبيرة، أكثر قدرة وسحراً في تجسيد الأحداث.
ماذا إذاً عن تحويل الرواية إلى عرض مسرحي، وهو تحدٍّ صعب بالتأكيد، تلزمه مهارات خاصة، في توظيف عناصر العرض كافة ؟ ويلزمه كذلك، وهذا هو الأهم، تقدير موقف، بمعنى الإقرار بأننا بصدد رواية باذخة في لغتها وأحداثها وشخصياتها وعوالمها، مما يجعل نقلها إلى وسيط آخر (المسرح)، يتطلب قدراً عالياً من التكثيف، وفض الاشتباك بين خطوطها الكثيرة، ودروبها المتعرجة، بما لا يخل بجوهرها الأساس، أو برسائلها الفكرية والجمالية.
العرض المسرحي “الحب في زمن الكوليرا” الذي قدّمه مسرح الطليعة المصري (وزارة الثقافة)، سعى صناعه إلى تقديم توليفة تجمع بين السرد والتمثيل والغناء والاستعراض، ليسهم كل عنصر منها، ولو بقدر، في الإمساك بجوهر الرواية وأسئلتها.
نص العرض، كتبه مينا بباوي، عن الترجمة العربية لصالح علماني، استبعد كثيراً من الأحداث التي تحفل بها الرواية، واكتفى ببعض الأحداث التي تخص، مباشرة، قصة الحب بين فيرمينا وفلورنتينو. واكتفى كذلك بعدد قليل من الشخصيات مثل فلورنتينو، وفيرمينا، والزوج أوروبينو، والأب لورنزو، والعمة، وبعض الشخصيات الثانوية. وأسهم السرد، الذي قامت به بعض الشخصيات في تكثيف النص، واستغنى به المخرج السعيد منسي، في مشاهد عدة، عن التشخيص.
حرص المخرج على استخدام السرد من خلال الشخوص أنفسهم، فكل منهم، في بؤرة إضاءته يحكي بعضاً مما يخصه. لسنا أمام راوٍ تقليدي، فأغلب الشخصيات جاءت لتحكي، كما عاش ماركيز ليحكي. والحكي أو السرد هنا، جاء خاطفاً، حفاظاً على إيقاع العرض، وفي الوقت نفسه تم تضفيره، أو مزجه، بالتشخيص في شكل انسيابي لا يشعر المشاهد بأن هناك قطعاً ما، أو تشتيتاً لذهنه. وسيطرت فكرة التكثيف على المخرج في عديد من المشاهد، التي تم تجسيدها، إما عن طريق حركة الممثلين الصامتة، التي جاءت متوافقة تماماً مع دوافع الشخصيات، أو التعبير الحركي المتقن للراقصين (صممه محمد ميزو)، الذي جاء في بعض الأحيان معادلاً جمالياً للحدث المجسد، وفي بعضها الآخر حضر بذاته منفرداً وبديلاً من التشخيص كعنصر فاعل داخل دراما العرض ومطور لها.



