ثقافية

«حمى البحر المتوسط».. فيلم مثقل بالتاريخ والخصوصية الفلسطينية

 

 سليم البيك..

اتخذت مها حاج لنفسها، بفيلمها الروائي الطويل الأول «أمور شخصية» خطاً منفصلاً متفرداً عما صار يُعرَف بالسينما الفلسطينية، حاملةً جمالياتٍ سينمائية في الشكل وهموماً إنسانية في المضمون، مازجةً هذه الجماليات وتلك الهموم بخصوصية فلسطينية، بل محلية نصراوية، معطيةً مثالاً بديعاً على إمكانية التناول السينمائي بمعاييره العالمية، ضمن هذه الخصوصية التي ستكون حيفاوية في فيلمها الجديد «حمى البحر المتوسط» هو الفيلم المثبت لهذا الخط المتفرد، والرافع من الجماليات والهموم المذكورة، مضيفاً تراكماً نوعياً على آخرَ نوعي. هذا ما سيسمح بالقول: إن هنالك ما يمكن تسميته بـ “سينما مها حاج” أو على الأقل: إن الفيلمين فاتحةٌ لآخر وآخر، ما سيصير يوماً أسلوباً له شكله ومضمونه المتمايزين، يمكن وسمه بـ “سينما مها حاج” ويُشار إليه بمشاهدة أفلامِ غيرها.

والحكاية تُبنى في الأساس، على شخصياتها، بل على العلاقة ما بين هذه الشخصيات (بكلمات جان لوك غودار) فصوّرت حاج العلاقةَ بين الشخصيات، بين الشخصيتين الرئيستين تحديداً، وليد وجلال، وهذا ما أعطى الحكاية بعدَها الحميمي والفردي والإنساني، وما أعطى الحبكة وتطورَها الدرامي المتصاعد بحذر وتنبه، إقناعاً وكذلك تماهياً لدى المُشاهد، ما مكن حاج من التحكم بهذا الأخير، ومن أسر انتباهه التام، ومن إبكائه في لحظة، فإضحاكه، تماماً، في التالية. هذه، للضرورة، واحدة من مسببات جائزة أفضل سيناريو التي نالها الفيلم وقد كتبته حاج، ضمن مسابقة «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي في دورته الخامسة والسبعين.

تشكلت فرادة الفيلم من إنسانية التناول للشخصيات، من حميميتها وعوالمها الداخلية، ولم تكن وظيفتها خدمة الحكاية الجاهزة، بل الحكايةُ بعوالمها الخارجية تتحرّك وتتطور تبعاً للشخصيات ودواخلها، والحديث هنا عن نفسياتها أو حالاتها السيكولوجية، القصة هنا تصنعها شخصياتها، تصنعها علاقةُ هذه الشخصيات ببعضها، هنا مَكمن الإنسانية في الفيلم، وهنا تكون الكتابة الممتازة بحواراتها. من هذه الحالة الكونية، تنقل حاج المحلية الفلسطينية بخصوصياتها، من خلال شخصياتها، مدخلةً الخارجي بالداخلي، نسبةً إلى فلسطين كمكان والفلسطينيين كأفراد. تفتح حاج مساحات واسعة في فيلمها من حالة كل من الشخصيتين النفسية تجاه محيطهما الفلسطيني الثماني وأربعيني الحيفاوي. وتفتح مساحات واسعة في فيلمها كذلك من حالة البلاد في فيلم مثقلٍ بالتاريخ والجغرافيا، تجاه لغة سينمائية إنسانية وجمالية أوصلتها في ثاني فيلم طويل إلى ثاني مشاركة في مهرجان كان السينمائي، في «نظرة ما» (وهذا استثناء، أقله عربياً) لتعود بجائزة أقرت بهذا التركيب والجمال لفيلم فلسطيني لم يتعودهما المحكمون والمشاهدون والنقاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى