“جزيرة المطففين”..عن الجحيم الذي تخطّط عقولنا لصنعه!

حسن داوُد..
رواية حبيب سروري الجديدة”جزيرة المطففين”، رغم إيغالها في ترقّب المآلات التي تأخذنا إليها آليات التحكّم الأكثر إيغالا بسعيها لتغييرنا كبشر، لا تفارق المشكلات الواقعية القائمة «على الأرض». فقبل الأبحاث الشاملة التي تجريها القيادة العامة (المكتفى بحرفيها الأولين ق. ع.) على أطلس (المكنّى به كوكب الأرض) وذلك من أجل الوصول إلى التحكّم الكامل للروبوتات بساكنيه، نقرأ عن هجرة فقراء العالم إلى ما يرونه فردوسهم الأرضي، ممثلا هنا بلندن عاصمة بريطانيا. كل ما يتعلّق بتلك الهجرة جرى رصده، كما رصد نتائجه، في الرواية.
من ذلك الوصف التفصيلي لأهوال الرحلات التي تسبق بلوغ تلك الأرض المسيّجة، التي توقفُ القادمين عند الحدود، إلى تجمعات الماكثين هناك والمنتمين إلى بلدان يجمع بينها الفقر، وصولا إلى عيش من تمكّنوا من التسلّل إلى أرض الميعاد تلك.
وتذهب الرواية إلى تخصيص أكثر محلّية بجعلها شخصيتي الرواية الرئيسستين، كما الراوي نفسه، قادمين، أو هاربين، من اليمن، منشأ الروائي. وفي الصفحات الأخيرة، وفي غمرة وصفه لما سيؤول إليه حال البشر، بل البشرية، يعود الكاتب إلى ذكر العرب من بين خلائق البلدان المنكوبة الأخرى، وهنا بالاسم.
في سياق الصفحات التي سبقت كان قد ضمّ العرب إلى سائر الشعوب في المدينة غير الفاضلة، تلك التي يعيش فيها أهل الفقر، هؤلاء هم أهل «غين» فيما الأغنياء المرفّهون يعيشون في حيّ آخر منها هو «ألف» (نلاحظ أن لا أسماء كاملة على مدار صفحات الرواية جميعها، باستثناء الشخصيات الأربع أو الخمس، ومن بينها طفران اليمني وحجّي الحبشي، أما مَن اسمُه فريد، وهو الأكثر حضورا في الرواية، فيُكتفى لذكره أحيانا بالحرف سين، أي أن ما يسعى سروري إلى كشفه هو مشكلات العالم الحاضر على اختلافها، بادئا الصفحات الأولى من عمله بالتفكير بوباء كوفيد، بالترافق مع كتابته عن الهجرة العالمثالثية إلى الغرب. لسنا إذن إزاء مشكلة واحدة، أو موضوع واحد، بل في خضم ما يجتاح العالم اليوم مهدّدا إياه من جنباته الكثيرة. لم يكتفِ سروري بموضوع واحد إذن، أو بفكرة واحدة مهيمنة على نحو ما فعل جورج أورويل مثلا في أغلب كتبه، إذ جمع (سروري) إلى موضوعه الرئيس معتقدات بشر بلادنا نفسها وأدوار هذه المعتقدات في التراجع المستمر إلى الخلف، فيما يتقدّم العالم إلآخر إلى الأمام، لكنه، من وجه آخر، الأمام المفضي إلى الكارثة، إذ هؤلاء المختارون هم الأقرب وصولا إلى ما تحقّقه التقنياتُ الروبوتية الجشعة التطوّر. فهؤلاء، بعد أن ساعدت القيادة العامة، أو قيادة العالم، على التطرف في إسعادهم فاخترعت لهم «عقاقير المسرّات، وعقاقير سعادة عطلة الأسبوع، وأخرى لأيام العمل، عقاقير للضحك، للشعور بالسكر دون خمر، للشعور بالعشق دون عشق» سيكونون غائبين مغيّبين حتى عن أنفسهم.
«جزيرة المطفّفين» على رغم تحليقه في الأفكار والتخيّلات التي يستدعيها التفكير بما سيبلغه العالم الافتراضي، وعلى الرغم من إنشائه عالما مكانيا (مقرّ القيادة ذاك) وإداريا حيث جرى تقسيم أنحاء المكان كمثل ما يمكن أن يكون مركز إدارة مؤسسة معقدة التركيب، وعلميا بإمعانه في وصف ما تتكون منه تلك العقول غير البشرية، لا ينتسب إلى رواية الخيال العلمي، لأنّ المشكلات الواقعية من مجاعات وحروب وتمايزات بين البشر حاضرة فيه بقوة، ثم إننا لسنا في تفاصيل مسلّية، بل في عالم منهِك لشدّة قربه مما قد يتحقّق فعلا وواقعا.



